عاد اسم الصحافي حميد المهداوي ليتصدر النقاش العمومي بعد خرجة مطولة على قناته في منصة “يوتيوب”، عرض فيها رواية مفصلة لما قال إنه تعرض له خلال مسار الترشح لاجتياز سلك الدكتوراه داخل إحدى الجامعات المغربية.
المهداوي لم يكتفِ بالحديث عن إحساس شخصي بالظلم، بل قدم، حسب روايته، معطيات ووقائع وأسماء واتصالات قال إنها توحي بوجود تدخلات وضغوط حالت دون مروره بشكل عادي مثل باقي المترشحين.
وخلال حديثه، شدد المهداوي أكثر من مرة على أنه لا يستهدف الجامعة كمؤسسة، ولا يقصد تعميم صورة سلبية عن الأساتذة الجامعيين، بل أكد أن ما يرويه يتعلق، حسب تعبيره، بحالات محدودة لا يمكن أن تعكس واقع الجامعة المغربية التي تضم العديد من الأساتذة المعروفين بكفاءتهم ونزاهتهم.
غير أنه في المقابل قدم رواية مليئة بالتفاصيل، تحدث فيها عن اتصالات مزعومة بين أساتذة ومسؤولين جامعيين، وعن تدخلات محتملة في مسار الانتقاء، بل وحتى عن إعادة توزيع الطلبة على اللجان بطريقة قال إنها جعلته يمثل أمام لجنة بعينها.
هذه المعطيات، سواء اتفق معها البعض أو اختلف، تطرح سؤالاً يتجاوز شخص المهداوي نفسه. فالقضية هنا لا تتعلق فقط بمترشح لسلك الدكتوراه، بل تمس واحداً من أهم المبادئ التي تقوم عليها المؤسسة الجامعية: تكافؤ الفرص والاستحقاق الأكاديمي.
فإذا كانت المعطيات التي عرضها المهداوي صحيحة، فنحن أمام قضية خطيرة تمس جوهر المسار الأكاديمي داخل الجامعة.
لأن أي تدخل أو ضغط محتمل في مسار الولوج إلى سلك الدكتوراه لا يعني فقط إقصاء مترشح معين، بل يطرح علامات استفهام حول نزاهة آليات الانتقاء التي يفترض أن تقوم أساساً على الكفاءة العلمية والاستحقاق.
لكن في المقابل، إذا كانت هذه الرواية غير دقيقة أو مبنية على استنتاجات شخصية لا تدعمها الوقائع المؤسسية، فإن الأمر بدوره لا يقل خطورة.
لأن توجيه اتهامات بهذا الحجم في الفضاء العمومي، مع الإشارة إلى تدخلات وضغوط محتملة داخل مؤسسة جامعية، قد يضع أساتذة ومؤسسة أكاديمية بأكملها داخل دائرة الشبهة، ويؤثر على الثقة التي يفترض أن تحيط بالجامعة باعتبارها فضاءً للعلم والمعرفة.
هنا تحديداً يظهر ما يمكن وصفه بـ“لغز الصمت”.
فالرواية التي قدمها المهداوي خرجت إلى العلن بكل تفاصيلها، وتم تداولها على نطاق واسع في الفضاء الرقمي، لكنها إلى حدود الآن لم تواجه بأي تحقيق إداري أو مؤسساتي واضح يضع النقاط على الحروف ويكشف حقيقة ما وقع.
إن الصمت في مثل هذه القضايا لا يساعد على تبديد الشكوك، بل قد يساهم في تعميقها.
لأن ترك الاتهامات دون توضيح أو تحقيق يفتح الباب أمام التأويلات والتكهنات، ويضع المؤسسة الجامعية في موقع دفاعي حتى وإن كانت بريئة من كل ما نُسب إليها.
إن حماية سمعة الجامعة والأساتذة لا تمر عبر تجاهل مثل هذه الادعاءات، بل عبر التعامل معها بالجدية التي تفرضها خطورتها. فالتحقيق، عندما يكون شفافاً ومحايداً، لا يسيء إلى المؤسسات بل يعزز مصداقيتها.
بل إن فتح تحقيق في مثل هذه القضايا قد يكون في حد ذاته خطوة ضرورية لحماية سمعة الأساتذة الذين قد يجدون أنفسهم، دون أن يختاروا ذلك، في قلب جدل عمومي لم يصدر عنهم.
القضية إذن لا تتعلق بالدفاع عن المهداوي أو مهاجمته، بل بالدفاع عن مبدأ بسيط يفترض أن يكون قاعدة في أي مؤسسة أكاديمية: تكافؤ الفرص.
لأن هذا المبدأ يفقد معناه إذا ظل محاطاً بالشكوك دون أن تبادر المؤسسات المعنية إلى توضيح الصورة للرأي العام.
فتح تحقيق إداري أو مؤسساتي مستقل في هذه القضية يمكن أن يضع حداً لهذا الجدل.
فإن كان المهداوي قد تعرض فعلاً لظلم أو تدخل غير مشروع في مساره الأكاديمي، فإن المحاسبة تصبح ضرورة لحماية مصداقية الجامعة. وإن كانت روايته لا تعكس حقيقة ما وقع، فإن المساءلة بدورها تصبح واجبة لحماية سمعة المؤسسة والأساتذة المعنيين.
تبقى قوة الجامعة في شفافيتها. والمؤسسات التي تثق في قواعدها لا تخشى التحقيق، بل تعتبره الوسيلة الطبيعية لإثبات أن الاستحقاق وحده هو الذي يحدد مسارات العلم داخل أسوارها، وأن مبدأ تكافؤ الفرص ليس مجرد شعار، بل قاعدة فعلية تحكم الولوج إلى أعلى درجات البحث الأكاديمي.
