لم يكن المقال الذي نشره الصحفي عبد الوفي العلام في موقع “ريحانة برس” مجرد استعادة لوقائع قديمة من أرشيف التدبير المحلي بمدينة سلا، بل بدا أشبه بإعادة فتح ملف ظل لسنوات طويلة حاضراً في النقاش السياسي والإعلامي دون أن يصل إلى خاتمة واضحة.
فعودة ملف “الأزرق ومن معه” إلى واجهة القضاء خلال شهر مارس 2026، مع مثول أطراف القضية أمام قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بالرباط يوم السادس من الشهر الجاري، أعادت طرح أسئلة ثقيلة حول مسار واحد من أكثر ملفات التعمير إثارة للجدل في تاريخ المدينة.
المادة الصحفية التي نشرها عبد الوفي العلام أعادت تركيب خيوط قصة تعود جذورها إلى أكثر من عقدين، حين بدأت تظهر أولى المؤشرات على اختلالات محتملة في تدبير بعض رخص البناء داخل مقاطعة باب لمريسة بمدينة سلا.
ففي سنتي 2004 و2005 تدخلت المفتشية العامة للإدارة الترابية لإجراء افتحاص إداري بعد توصل السلطات بمعطيات تتعلق بطريقة منح بعض التراخيص العمرانية.
التقارير التي أنجزت في تلك الفترة سجلت ملاحظات مرتبطة بعدم احترام بعض المساطر القانونية والتنظيمية المرتبطة بدراسة ملفات البناء، بما في ذلك دور اللجان التقنية وآراء الوكالة الحضرية.
لم تكن تلك التقارير مجرد ملاحظات تقنية معزولة، بل فتحت في حينها نقاشاً واسعاً داخل المدينة حول مستقبل التعمير ومسار التنمية الحضرية في سلا.
فالتعمير، في مدينة تعرف توسعاً عمرانياً سريعاً، لا يقتصر على الجانب الإداري، بل يرتبط مباشرة بتوازنات اقتصادية ومصالح عقارية كبرى، ما يجعل أي خلل في تدبيره يتحول سريعاً إلى قضية رأي عام.
وفي سنة 2011 انتقل الملف من مستوى النقاش السياسي والإداري إلى المسار القضائي، بعد أن تقدمت فرق من المعارضة داخل المجلس الجماعي لسلا بشكايات تحدثت عن شبهات مرتبطة بسوء التدبير في بعض ملفات التعمير.
وقد باشر قاضي التحقيق المكلف بجرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بسلا آنذاك أبحاثاً في الملف شملت الاستماع إلى عدد من المنتخبين والمسؤولين المحليين والمهندسين والموظفين الذين ارتبطت أسماؤهم بتلك المرحلة.
غير أن ما يثير الانتباه في هذا الملف ليس فقط طبيعة الوقائع التي أثارها، بل أيضاً المسار الزمني الطويل الذي عرفه.
فبين تقارير رقابية صدرت في منتصف العقد الأول من الألفية، وأبحاث قضائية انطلقت في 2011، ثم عودة القضية إلى واجهة التحقيق سنة 2026، ظل الملف يطرح تساؤلات متكررة حول كيفية تدبير ملفات التعمير في المدن الكبرى، وحول قدرة آليات المراقبة الإدارية والقضائية على مواكبة هذا القطاع الحساس.
عودة الملف إلى ردهات القضاء اليوم أعادت كذلك النقاش حول طبيعة الاختلالات التي تحدثت عنها التقارير الرقابية آنذاك، خاصة ما يتعلق باحترام تصميم التهيئة ونسب استغلال الأراضي، وطبيعة بعض التراخيص التي قيل إنها منحت دون استكمال جميع المساطر القانونية المطلوبة.
كما أعادت طرح سؤال أوسع حول العلاقة المعقدة بين السياسة المحلية والرهانات العقارية، حيث تتحول قرارات التعمير أحياناً إلى مفاتيح حاسمة في إعادة تشكيل المجال الحضري للمدينة.
تحريك الملف في هذا التوقيت يأتي أيضاً في سياق سياسي يتسم بتزايد الحديث عن الحكامة المحلية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو ما جعل كثيراً من المتابعين يرون في هذه القضية اختباراً مهماً لمدى قدرة المؤسسات على التعامل مع الملفات المرتبطة بتدبير الشأن المحلي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضايا تعود إلى سنوات طويلة.
ومع تقدم المسطرة القضائية، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية عن مصير المتابعين في هذا الملف: هل ستقتصر القضية على تحديد المسؤوليات الجنائية فقط، أم أن مسار العدالة قد يمتد أيضاً إلى معالجة الآثار المادية والاقتصادية لهذه الاختلالات؟ بعبارة أوضح، هل سيتم استرداد الأراضي أو الامتيازات العمرانية التي قد تكون ضاعت على مدينة سلا خلال تلك المرحلة، أم أن القضية ستنتهي بأحكام قضائية قد لا تمس البنية الاقتصادية التي استفاد منها بعض الفاعلين؟
وفي سياق متصل، أشار الصحفي عبد الوفي العلام في مادته المنشورة إلى أنه يتوفر على وثائق ومستندات مرتبطة بهذا الملف، مؤكداً أنه سيكشف عنها تباعاً عبر القناة الرسمية لموقع “ريحانة برس” على منصة يوتوب، في خطوة يقول إنها تهدف إلى إطلاع الرأي العام على تفاصيل إضافية ومعطيات يراها ذات أهمية لفهم خيوط هذا الملف الذي ظل لسنوات موضوع نقاش سياسي وإعلامي داخل مدينة سلا.
القضية لم تعد مجرد ملف في ردهات القضاء، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لشعار ربط المسؤولية بالمحاسبة الذي يتردد كثيراً في الخطاب السياسي.
فبين الوثائق التي يتحدث عنها الصحفي عبد الوفي العلام، والتحقيقات الجارية داخل محكمة الاستئناف بالرباط، يقف ملف “الأزرق ومن معه” اليوم عند مفترق طرق: إما أن تتحول المحاكمة إلى لحظة كشف كاملة تعيد رسم حدود المسؤولية في ملف التعمير بسلا، أو أن يبقى مجرد فصل آخر في قصة طويلة عن مدينة ظلت تدفع ثمن التقاء السياسة بالعقار.
