لم يكن تصريح الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، اليوم الخميس 12 مارس 2026، خلال الندوة الصحفية التي أعقبت المجلس الحكومي، مجرد تعليق عابر على تطورات الحرب في الشرق الأوسط، بل رسالة سياسية أريد لها أن تكون جرعة طمأنة أقرب إلى “مُسكّن اقتصادي” في وقت تتزايد فيه شكاوى المواطنين من ارتفاع الأسعار.
خطاب بايتاس الذي تمحور حول “صلابة الاقتصاد الوطني” ومكتسباته يبدو في ظاهره منضبطاً للغة الأرقام، خاصة حين يقترن بحديث عن نمو يقارب 4.8 في المائة وتضخم في حدود 0.8 في المائة، لكنه في العمق يطرح تساؤلاً مشروعاً حول المسافة الفاصلة بين “راحة الأرقام” في التقارير الحكومية و“ثقل الواقع” في جيوب المواطنين.
غير أن قراءة هذه المؤشرات من زاوية الحياة اليومية تفتح نقاشاً مختلفاً تماماً.
إن الفجوة بين انخفاض عجز الميزانية إلى حدود 3.5 في المائة وبين استمرار ارتفاع أسعار عدد من المواد والخدمات تفتح نقاشاً واسعاً حول طبيعة السياسات الاقتصادية المتبعة؛ حيث تنجح الحكومة في الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية ونيل إشارات إيجابية من المؤسسات المالية الدولية، لكنها لا تزال تواجه صعوبة في الحد من اختلالات السوق الداخلية وارتفاع كلفة المعيشة.
وهنا يبرز سؤال يتكرر خارج قاعات الندوات الصحفية: لمن تُبنى هذه “الصلابة الاقتصادية” إذا كان المواطن البسيط لا يشعر بآثارها في قدرته الشرائية؟ ولماذا يظل الخطاب الرسمي يركز على “الاستقرار المالي” بينما يبقى “الاستقرار المعيشي” موضوع نقاش يومي؟
المفارقة أن دولاً متوسطية أخرى اختارت مقاربات أكثر تدخلاً عندما تصاعدت موجات التضخم.
ففي اليونان، اتجهت حكومة كيرياكوس ميتسوتاكيس إلى فرض سقف لهوامش الربح في قطاعات حيوية مثل الوقود، مع تشديد مراقبة الأسواق.
أما في إيطاليا، فقد فتحت حكومة جورجيا ميلوني نقاشاً حول كيفية التعامل مع الأرباح الاستثنائية لبعض الشركات خلال فترات ارتفاع الأسعار، مع البحث عن آليات تحد من آثار التضخم على المستهلكين.
هذه التجارب لا تعني بالضرورة أن كل دولة يمكن أن تنقل حلول الأخرى كما هي، لكنها تطرح سؤالاً سياسياً مشروعاً: هل ستكتفي الحكومة المغربية بخطاب المتابعة واليقظة في مواجهة الأزمات الدولية، أم أنها قد تتجه إلى إجراءات أكثر مباشرة للحد من انعكاسات الغلاء على المواطنين؟
فالحرب في الشرق الأوسط وأزمات الطاقة العالمية قد تفسر جانباً من تقلبات الأسعار، لكنها لا تلغي الحاجة إلى سياسات قادرة على حماية التوازن داخل السوق الوطنية.
وبين خطاب حكومي يتحدث عن “اقتصاد صامد” ونقاش اجتماعي متزايد حول كلفة المعيشة، يجد الرأي العام نفسه أمام سؤال بسيط في ظاهره عميق في دلالته: متى تتحول المؤشرات الاقتصادية الإيجابية إلى أثر ملموس في حياة المواطنين؟ فنجاح أي سياسة اقتصادية لا يقاس فقط بسلامة الأرقام في التقارير، بل بمدى انعكاسها على القدرة الشرائية واستقرار الحياة اليومية للأسر.
