لم يعد خبر فتح تحقيق إداري في قضية هدم بناية بحي المستشفيات في الدار البيضاء مجرد واقعة محلية عابرة، بل تحول إلى لحظة اختبار حقيقية لمدى قدرة المؤسسات على حماية ما تبقى من الذاكرة العمرانية للعاصمة الاقتصادية للمغرب.
فالحادثة التي بدأت بشكاية تقدم بها مالك منزل يؤكد أن مسكنه هُدم بطريقة وصفها بغير القانونية، دون احترام المساطر الإدارية المفروضة، سرعان ما كشفت عن مفارقة أكثر إزعاجاً: حين تتحول الآليات التي يفترض أن تطبق القانون إلى أدوات قد تُستخدم في طمس معالم تاريخية لا يمكن تعويضها.
المعطيات المتداولة تشير إلى أن الشكاية التي توصلت بها وزارة الداخلية تتعلق ببناية تقع بدائرة حي المستشفيات، يقال إنها تندرج ضمن المباني المصنفة ضمن التراث المعماري للمدينة، وهو ما يفرض عادة إجراءات دقيقة قبل اتخاذ أي قرار يتعلق بهدمها أو إعادة تهيئتها.
غير أن عملية الهدم، وفق ما جرى تداوله، تمت باستعمال آليات تابعة للسلطات المحلية، وهو ما دفع المصالح الولائية بجهة الدار البيضاء–سطات إلى فتح تحقيق إداري مستعجل لتحديد المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية المترتبة عن هذه الواقعة.
وفي إطار الإجراءات الأولية التي رافقت التحقيق، تقرر إعفاء عدد من رجال السلطة من مهامهم، من بينهم رئيس دائرة وقائد، مع إلحاقهم مؤقتاً بعمالة مقاطعات أنفا في انتظار ما ستكشف عنه نتائج البحث الإداري الجاري.
غير أن هذا القرار، على أهميته، يطرح بدوره سؤالاً أبعد من مجرد تحديد المسؤوليات الفردية: هل يتعلق الأمر بخطأ إداري معزول، أم بمؤشر على اختلال أعمق في طريقة تدبير ملف الهدم وإعادة التهيئة داخل مدينة تتعرض منذ سنوات لضغط عقاري متزايد؟
التحقيق الجاري لا يقتصر، بحسب المعطيات المتوفرة، على تحديد المسؤوليات الشخصية، بل يشمل أيضاً التدقيق في مدى قانونية الوثائق أو القرارات التي قد تكون استندت إليها عملية الهدم.
ومن بين النقاط التي يجري التحقق منها ما إذا كانت العملية تمت بناء على قرار إداري صادر عن مصالح مقاطعة المعاريف، أو في غياب أي سند قانوني واضح يسمح بتنفيذها.
وهو عنصر حاسم، لأن الفرق بين قرار قانوني وخطأ إداري قد يكون الفاصل بين حادث معزول وبين مشكلة بنيوية في منظومة تدبير المجال الحضري.
غير أن القضية تتجاوز حدود هذا الملف الإداري الضيق لتفتح نقاشاً أوسع حول مستقبل التراث العمراني في الدار البيضاء. فالمدينة التي تضم واحداً من أكبر التجمعات المعمارية من طراز الآرت ديكو في العالم ليست مجرد حاضرة اقتصادية كبرى، بل أيضاً أرشيف معماري مفتوح يروي تحولات قرن كامل من التاريخ الحضري.
ومع ذلك، تبدو هذه الذاكرة في كثير من الأحيان الحلقة الأضعف في معادلة العمران.
فمع ارتفاع قيمة العقار في الأحياء المركزية، تتحول المباني القديمة في نظر بعض المستثمرين إلى مجرد مساحات قابلة للاستبدال بمشاريع أكثر ربحية.
وهنا يبدأ الصراع الصامت بين من يرى في المدينة ذاكرة جماعية ينبغي الحفاظ عليها، ومن يراها أرضاً قابلة لإعادة التشكيل وفق منطق السوق.
وبين هذين المنطقين، كثيراً ما يجد التراث نفسه في موقع الدفاع.
يرى مختصون في التخطيط الحضري أن المشكلة لا تكمن فقط في عمليات الهدم نفسها، بل في غياب رؤية متكاملة توازن بين متطلبات التنمية العمرانية وحماية الذاكرة المعمارية.
فمدن كثيرة في العالم واجهت هذا التحدي ونجحت في تحويل تراثها إلى رافعة اقتصادية وثقافية، بينما تتحول المدن التي تفقد معالمها تدريجياً إلى فضاءات عمرانية متشابهة بلا روح ولا خصوصية.
التحقيق الإداري الجاري اليوم قد يحدد المسؤوليات في هذه الواقعة بعينها، لكنه في الوقت نفسه يضع سؤالاً أكبر أمام صناع القرار: كيف يمكن حماية التراث المعماري لمدينة بحجم الدار البيضاء في ظل ضغط عقاري متصاعد؟ وهل تكفي الإجراءات الإدارية لوقف نزيف المباني التاريخية، أم أن الأمر يتطلب إرادة سياسية أكثر وضوحاً لحماية ما تبقى من ذاكرة المدينة؟
فالمدن لا تفقد ذاكرتها دفعة واحدة، بل حين تبدأ الجرافات في كتابة تاريخها الجديد فوق أنقاض الماضي… بصمت الإدارات.
