بين لغة الأرقام التي يقدمها المكتب الوطني للصيد وواقع الأسواق الشعبية في المغرب، تتسع فجوة لا تخطئها العين.
فالتقرير الأخير حول حصيلة الصيد الساحلي والتقليدي حتى نهاية فبراير 2026 يقدم في ظاهره مؤشرات إيجابية، إذ تجاوزت قيمة المنتجات البحرية المسوقة 2,36 مليار درهم بزيادة تناهز 3 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
غير أن قراءة الأرقام نفسها من زاوية أخرى تكشف مفارقة لافتة: الكميات المفرغة تراجعت إلى 55 ألفاً و153 طناً، بانخفاض يقارب 18 في المائة.
وبين ارتفاع القيمة وتراجع الكميات، يبدأ السؤال الذي يطرح نفسه في الأسواق قبل التقارير: كيف أصبح السردين، الذي ظل لعقود “فيتامين الفقراء”، يصل في بعض الأحيان إلى 40 درهماً للكيلوغرام في بلد يطل على بحرين؟
هذه المفارقة ليست مجرد تقلب في الأرقام، بل قصة سوق كاملة تبدأ في الميناء وتنتهي في جيب المستهلك.
فحين يفرغ الصياد محصوله في الموانئ بثمن محدد، تبدأ رحلة السمك عبر شبكة معقدة من الوسطاء وأسواق الجملة وشركات النقل والتخزين.
ومع كل حلقة من هذه السلسلة يرتفع السعر تدريجياً، إلى أن يصل المنتج إلى السوق بثمن قد لا يشبه إطلاقاً السعر الذي بيع به عند نقطة الانطلاق.
وهكذا يتحول الفرق بين ثمن الميناء وثمن السوق إلى مساحة رمادية تتراكم فيها هوامش الربح وتضيع فيها شفافية الأسعار.
ولا تقف هذه المفارقة عند حدود الوسطاء وشبكات التوزيع وحدها، بل تمتد أيضاً إلى طبيعة البنية الاقتصادية للقطاع نفسه.
فارتفاع القيمة المالية للمنتجات البحرية يعني بالضرورة ارتفاع حجم المعاملات المرتبطة بها، وهو ما ينعكس بدوره على الرسوم والضرائب المرتبطة بالنشاط التجاري والخدمات المينائية واللوجستية.
وبعبارة أخرى، فإن موجات الغلاء لا ترفع فقط أرباح بعض الفاعلين في السوق، بل تزيد أيضاً الموارد الجبائية المرتبطة بالدورة الاقتصادية للقطاع.
هنا يبرز سؤال اقتصادي وسياسي في آن واحد: كيف يمكن للدولة أن تتدخل بقوة لخفض الأسعار، بينما يؤدي ارتفاع القيمة المالية للسلع إلى زيادة مواردها الجبائية؟
لا يعني ذلك بالضرورة وجود رغبة في استمرار الغلاء، لكنه يكشف تعقيد العلاقة بين دور الدولة كمنظم للسوق من جهة، وكطرف يستفيد مالياً من دينامية النشاط الاقتصادي من جهة أخرى.
غير أن معالجة هذه المفارقة لا يمكن أن تظل رهينة المقاربات الظرفية أو الحملات الموسمية لمراقبة الأسعار.
فالإشكال في جوهره أعمق من مجرد مراقبة الأسواق، إذ يرتبط ببنية القطاع نفسه وبقواعد تنظيم المنافسة داخله.
لذلك يرى عدد من المتابعين أن الحل الحقيقي لا يبدأ من المقاربة الأمنية بقدر ما يبدأ من إصلاحات سياسية وتشريعية أوسع، تشمل مراجعة مدونة الصيد البحري وتعزيز آليات تطبيق قانون المنافسة، بما يضمن شفافية أكبر داخل سلاسل التسويق ويحد من الفوارق الكبيرة بين ثمن الميناء وثمن السوق.
ولا يمكن فهم هذه المفارقة بعيداً عن التحولات التي يعرفها القطاع في السنوات الأخيرة، حيث أصبح جزء متزايد من المنتجات البحرية موجهاً نحو التصدير أو الصناعات التحويلية المرتبطة بالعملة الصعبة. ومع ارتفاع الطلب الخارجي على بعض الأصناف، يتقلص العرض الموجه للسوق الداخلية، وهو ما يخلق ضغطاً إضافياً على الأسعار ويجعل منتجات كانت في متناول الجميع تتحول تدريجياً إلى سلع أكثر كلفة داخل السوق المحلية.
وفي ظل هذا التوازن الحساس، يبقى المواطن الحلقة الأضعف في السلسلة.
فالصياد الذي يواجه تقلبات البحر وتكاليف الوقود والمعدات لا يحصل دائماً على نصيب عادل من القيمة النهائية للمنتج، بينما يجد المستهلك نفسه في الطرف الآخر من المعادلة أمام أسعار ترتفع بشكل متكرر لمنتجات يفترض أنها من ثروات بلاده الطبيعية.
وهنا تظهر المفارقة التي أصبحت جزءاً من النقاش الاقتصادي في المغرب: بلد بحري بامتياز، يمتلك موارد سمكية مهمة، لكنه يعيش في الوقت نفسه جدلاً متواصلاً حول أسعار السمك في الأسواق المحلية.
وبين تقارير المؤسسات الرسمية وحسابات السوق اليومية، يظل السؤال الذي يتردد في الأسواق الشعبية أكثر بساطة ووضوحاً من كل التحليلات الاقتصادية:
إذا كان البحر ثروة وطنية مشتركة، فكيف أصبح “سمك الفقراء” ينافس اللحوم في الأسعار؟
سؤال يختصره كثير من المغاربة في عبارة تتردد يومياً بين الباعة والزبائن في الأسواق الشعبية:
“إلى وصل السردين لهد الثمن… فالفقير ليه الله.”
