لم تكن المداخلة التي قدمها وزير العدل عبد اللطيف وهبي أمام اللجنة الأممية المعنية بحالات الاختفاء القسري في جنيف مجرد عرض تقني حول التزامات المغرب الدولية، بل شكلت أيضاً لحظة أعادت إلى الواجهة نقاشاً قديماً داخل المشهد الحقوقي المغربي: هل طوى المغرب فعلاً صفحة الاختفاء القسري أم أن بعض فصول هذا الملف ما تزال محل جدل؟
هذا السؤال عاد بقوة إلى النقاش بعد التفاعل الذي أبدته التنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الإسلاميين بالمغرب، التي اعتبرت أن الخطاب الرسمي الذي قُدم في جنيف أغفل جانباً مهماً من التجربة الحقوقية المرتبطة بمرحلة ما بعد أحداث 16 ماي 2003.
وخلال الاجتماع 496 من الدورة السابعة والعشرين للجنة المعنية بحالات الاختفاء القسري بالأمم المتحدة في جنيف، ركز وزير العدل في كلمته على المسار الإصلاحي الذي عرفه المغرب في مجال حقوق الإنسان، مشيراً إلى أن البلاد قطعت مع ممارسات الماضي المرتبطة بسنوات الرصاص، وأن الدستور المغربي ينص بشكل واضح على حظر الاختفاء القسري والتعذيب.
كما استحضر تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة باعتبارها محطة أساسية في مسار العدالة الانتقالية بالمغرب.
غير أن التنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الإسلاميين ترى أن هذا الخطاب، رغم أهميته، يظل غير مكتمل ما دام لا يتناول بشكل صريح الإشكالات التي رافقت مرحلة مكافحة الإرهاب في بداية الألفية الثالثة.
فبحسب رواية التنسيقية، فإن الفترة التي أعقبت تفجيرات الدار البيضاء سنة 2003 شهدت حملات اعتقال واسعة في صفوف المشتبه في انتمائهم إلى التيار الإسلامي، وهي مرحلة تقول التنسيقية إنها اتسمت بظروف استثنائية أثارت الكثير من الجدل الحقوقي داخل المغرب وخارجه.
وفي قلب هذا الجدل يبرز اسم مركز تمارة، الذي ظل لسنوات موضوع نقاش في تقارير منظمات حقوقية دولية. فقد تحدثت تقارير صادرة عن منظمات مثل هيومن رايتس ووتش وأمنستي إنترناشيونال عن حالات احتجاز غير معلن لبعض المشتبه فيهم قبل عرضهم على القضاء، وهو ما اعتبرته تلك المنظمات شكلاً من أشكال الاختفاء القسري المؤقت. في المقابل، نفت السلطات المغربية مراراً وجود مراكز احتجاز خارج الإطار القانوني، مؤكدة أن كل الإجراءات المتخذة في سياق مكافحة الإرهاب كانت تتم في إطار القانون ووفق متطلبات حماية الأمن الوطني.
وتؤكد التنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الإسلاميين أن جزءاً من الإشكال يرتبط أيضاً بملف جبر الضرر. فبينما استفاد ضحايا سنوات الرصاص من برامج التعويض التي أقرتها هيئة الإنصاف والمصالحة، يرى أعضاء التنسيقية أن عدداً من المعتقلين السابقين في قضايا الإرهاب لم يستفيدوا من مسارات مشابهة، رغم ما يعتبرونه معاناة اجتماعية وقانونية خلفتها سنوات الاعتقال.
كما تطرح التنسيقية تساؤلات حول بعض الممارسات القضائية المرتبطة بملفات الإرهاب، خاصة ما يتعلق بالاعتماد على محاضر الضابطة القضائية في مسار المحاكمات. غير أن السلطات القضائية المغربية تؤكد في المقابل أن القضاء هو الجهة الوحيدة المخول لها تقييم الأدلة والبت في الادعاءات المتعلقة بالتعذيب أو سوء المعاملة، وأن المحاكمات في هذا المجال تخضع لضمانات قانونية واضحة.
ولا يقتصر النقاش على الماضي فقط، إذ تشير التنسيقية إلى استمرار طرح إشكالات تتعلق بظروف الاعتقال في بعض المؤسسات السجنية، مثل العزل الانفرادي والإضرابات عن الطعام التي يلجأ إليها بعض السجناء احتجاجاً على أوضاعهم. في المقابل تؤكد إدارة السجون أن الإجراءات المتخذة داخل المؤسسات السجنية تخضع لضوابط قانونية وأنها تندرج في إطار الحفاظ على الأمن والنظام داخل السجون.
ويعيد هذا الجدل طرح سؤال أوسع حول كيفية إدارة الذاكرة الحقوقية لمرحلة مكافحة الإرهاب في المغرب. فبين رواية رسمية تؤكد أن البلاد قطعت مع ممارسات الماضي وأن الاختفاء القسري أصبح جزءاً من تاريخ طوته الإصلاحات الدستورية والمؤسساتية، وروايات حقوقية تعتبر أن بعض الملفات ما تزال تحتاج إلى نقاش أعمق، يستمر الجدل حول حدود العدالة الانتقالية وإمكانية توسيعها لتشمل فصولاً أحدث من التاريخ السياسي للمغرب.
في هذا السياق يرى عدد من الباحثين في العدالة الانتقالية أن المصالحة الوطنية لا تكتمل فقط عبر التعويضات أو الإصلاحات القانونية، بل أيضاً عبر فتح نقاش عمومي حول كل المراحل التي شهدت توترات بين ضرورات الأمن ومتطلبات احترام الحقوق الأساسية.
فمثل هذا النقاش قد يشكل خطوة إضافية نحو بناء ثقة أعمق بين الدولة والمجتمع في ملف ظل لسنوات جزءاً حساساً من الذاكرة السياسية المغربية.
وبهذا المعنى، فإن الجدل الذي أعقب خطاب جنيف يعكس في العمق سؤالاً أوسع حول كيفية قراءة مرحلة ما بعد 2003 في التاريخ الحقوقي للمغرب.
فبين خطاب رسمي يركز على مسار الإصلاحات، وصوت التنسيقيات الحقوقية التي تدعو إلى إعادة فتح بعض الملفات، يبقى الرهان الحقيقي هو إيجاد توازن مستدام بين حماية الأمن الوطني وضمان احترام الحقوق الأساسية، بما يعزز ثقة المجتمع في دولة القانون والمؤسسات.
