هل نحن أمام اقتصاد سوق حقيقي، أم أمام اقتصاد تشكلت قواعده في شتاء التسعينيات حين انتقلت مفاتيح قطاعات استراتيجية من يد الدولة إلى يد قلة من الفاعلين الاقتصاديين؟
بينما ينشغل المغاربة يومياً بمراقبة ثمن الطماطم والمحروقات، هناك قصة أخرى تُكتب في الكواليس… قصة “الديناصورات” التي وُلدت من رحم الخوصصة، والتي بدأت اليوم تسلّم مفاتيح النفوذ الاقتصادي إلى جيل جديد من الأبناء.
في الوقت الذي يكتوي فيه المواطن المغربي بنيران أسعار الخضر والمحروقات، ووسط تقارير رسمية تتحدث عن تراجع مقلق في القدرة الشرائية، يطل سؤال ظل طويلاً في الهامش برأسه من جديد: من يملك المغرب اقتصادياً؟ وكيف تحولت فرص الاستثمار التي فتحتها الدولة في التسعينيات إلى إمبراطوريات عائلية تتحكم اليوم في قطاعات واسعة من الاقتصاد المغربي؟
لا يمكن فهم غلاء “قفة” المواطن في 2026 دون العودة إلى شتاء 1993 و1995.
في تلك الحقبة، وتحت شعار “الإصلاح الهيكلي”، فتح المغرب باب الخوصصة على مصراعيه.
لم تكن مجرد عملية اقتصادية، بل كانت لحظة مفصلية في تشكل نخبة مالية جديدة. بيعت مؤسسات استراتيجية، وعلى رأسها البنك المغربي للتجارة الخارجية (BMCE)، بأسعار وشروط أثارت حينها ولا تزال
الكثير من النقاش.
هذه العملية التاريخية لم تخلق دائماً منافسة واسعة كما كان مأمولاً، بل نقلت جزءاً مهماً من النفوذ الاقتصادي من يد الدولة إلى يد مجموعات خاصة تسعى بطبيعة الحال إلى تعظيم الأرباح.
ومع مرور السنوات، بدأت تتشكل في المغرب مجموعات اقتصادية كبيرة رسخت حضورها في قطاعات حيوية مثل البنوك والتأمينات والمحروقات والعقار والاتصالات.
إن الجرأة في الطرح تقتضي تسمية الأشياء بمسمياتها؛ فالمشكل ليس في “الثروة” بل في طبيعة النفوذ.
فعندما ترتفع أسعار مادة أساسية، يكتشف المغاربة أن مؤسسات مثل “مجلس المنافسة” أو “لجان المراقبة” تجد نفسها أمام أسواق معقدة تقودها شركات ذات وزن اقتصادي كبير، بعضها حاضر أيضاً في المشهد السياسي والاقتصادي.
لكن الوجه الآخر لهذه المعادلة غالباً ما يظل أقل حضوراً في النقاش: غياب طبقة قوية من المقاولات الصغرى والمتوسطة.
ففي الاقتصادات المتوازنة تشكل هذه الفئة العمود الفقري للنمو وخلق فرص الشغل، غير أن كثيراً من الفاعلين الاقتصاديين يرون أن السوق المغربي أصبح يميل تدريجياً إلى شكل ثنائي: من جهة شركات كبرى تملك القدرة على الوصول إلى الصفقات الكبرى والتمويل، ومن جهة أخرى مقاولات صغيرة تكافح من أجل البقاء.
وبين الطرفين تكاد تختفي الطبقة المتوسطة المقاولة التي كانت تاريخياً أحد أهم محركات الدينامية الاقتصادية.
ورغم إصلاح قانون الصفقات العمومية سنة 2023 بهدف تعزيز الشفافية، فإن النقاش لا يتوقف عند النصوص القانونية، بل يمتد إلى كيفية تنزيلها على أرض الواقع.
فمرحلة إعداد دفاتر التحملات، التي تحدد شروط المشاركة في الصفقات العمومية، تبقى من أكثر المراحل تأثيراً في طبيعة المنافسة داخل المشاريع الكبرى.
وهنا يطرح سؤال يتكرر كثيراً في النقاش الاقتصادي: هل هي مجرد صدفة أن تفوز نفس المجموعات الكبرى بعدد من المشاريع الضخمة في مجالات مثل تحلية المياه أو الطاقة المتجددة أو البنية التحتية؟ أم أن الخبرة الطويلة والحضور القوي في السوق يمنحان هذه الشركات أفضلية واضحة؟
كما أن المشهد الاقتصادي عرف خلال السنوات الأخيرة تحولاً آخر أقل وضوحاً لكنه لا يقل أهمية: توريث النفوذ الاقتصادي بين الأجيال.
فالكثير من المجموعات التي صعدت في التسعينيات بدأت اليوم تسلم إدارة أعمالها إلى جيل جديد من الأبناء المتعلمين في كبريات الجامعات الدولية.
هذا التحول يعكس استمرارية عائلية داخل بعض الإمبراطوريات الاقتصادية، لكنه يثير في الوقت نفسه سؤالاً أوسع حول قدرة الاقتصاد على تجديد نخبه وفتح المجال أمام صعود فاعلين اقتصاديين جدد.
ولا يقتصر النقاش على الصفقات فقط، بل يمتد أيضاً إلى ملف العقار العمومي الذي ظل بدوره أحد مفاتيح القوة الاقتصادية في المدن الكبرى.
وقد أعاد الجدل الذي أثاره ما عُرف إعلامياً بـ “أراضي خدام الدولة” هذا الملف إلى الواجهة، بعدما كشفت تقارير إعلامية ابتداءً من سنة 2016 أن بعض هذه الأراضي، الموجودة أساساً في الرباط وتمارة والصخيرات، حصل عليها مستفيدون بأثمان منخفضة مقارنة بقيمتها السوقية قبل أن تتحول لاحقاً إلى مشاريع عقارية أو تباع بمبالغ مرتفعة.
وفي سنة 2017 فُتح تحقيق رسمي في هذا الملف، ما أعاد طرح أسئلة أوسع حول كيفية تدبير العقار العمومي وشروط تفويته.
ولا يتوقف النقاش عند حدود الصفقات أو العقار فقط، بل يمتد أيضاً إلى السياسات الاقتصادية التي تمنح الدولة من خلالها تحفيزات ضريبية واستثمارية لعدد من القطاعات الكبرى.
فالقوانين المالية المتعاقبة تضمنت خلال السنوات الماضية إعفاءات وتحفيزات ضريبية بهدف جذب الاستثمارات وخلق فرص الشغل.
غير أن هذا التوجه يثير بدوره نقاشاً متزايداً حول العدالة الضريبية، خصوصاً عندما يشعر جزء من الرأي العام بأن العبء الضريبي لا يتوزع دائماً بشكل متوازن بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين.
وليس هذا النقاش معزولاً عن التقارير الوطنية والدولية.
فقد أشارت تقارير اقتصادية، بما فيها خلاصات النموذج التنموي الجديد، إلى أن تركّز الثروة والنفوذ الاقتصادي داخل عدد محدود من الفاعلين يمكن أن يشكل عائقاً أمام دينامية النمو وخلق فرص أوسع للمبادرة الاقتصادية.
بعد أكثر من ثلاثة عقود على بداية الخوصصة، يبدو أن النقاش الحقيقي لم يعد فقط حول من يخلق الثروة، بل أيضاً حول كيف تتوزع هذه الثروة داخل المجتمع. فالتحدي الذي يواجه الاقتصاد المغربي اليوم لا يتعلق فقط بجذب الاستثمارات أو تحقيق النمو، بل ببناء سوق يشعر فيه الجميع بأن قواعد المنافسة واضحة وأن الفرص الاقتصادية متاحة للجميع.
المغرب في 2026 يقف أمام مفترق طرق واضح: إما تعزيز اقتصاد يقوم على المنافسة والشفافية وتكافؤ الفرص، أو الاستمرار في نموذج اقتصادي تتركز فيه القوة داخل عدد محدود من الفاعلين الكبار.
إن بناء “الدولة الاجتماعية” لا يمر عبر برامج الدعم فقط، بل أيضاً عبر توسيع دائرة المنافسة الاقتصادية وضمان عدالة أكبر في توزيع الفرص.
فالسؤال الذي يطرحه كثير من المغاربة اليوم لم يعد فقط: كيف تُخلق الثروة؟
بل أيضاً: كيف تُوزَّع… ومن يستفيد منها فعلاً؟
