بين الخطابات الرسمية التي تتحدث عن إصلاح المنظومة الصحية وإطلاق المجموعات الصحية الجهوية، والواقع الذي يعيشه المواطن في عدد من مناطق جهة الشرق، تبدو المسافة بين الخطاب الرسمي وتجربة المرضى اليومية أكبر من مجرد اختلاف في التقييم؛ إنها فجوة حقيقية بين وعود الإصلاح وواقع الخدمات الصحية على الأرض.
هذا ما يكشفه التقرير السنوي لمنتدى أنوال للديمقراطية والمواطنة لسنة 2025، الذي يقدم صورة مقلقة عن وضعية الخدمات الصحية في جهة ما تزال تواجه تحديات بنيوية في الموارد البشرية والتجهيزات وتوزيع البنيات الصحية.
وحسب مصادر إعلامية استندت إلى المعطيات التي تضمنها التقرير، فإن الكثافة الطبية في جهة الشرق لا تتجاوز 10 أطباء لكل عشرة آلاف نسمة، وهو معدل يعكس محدودية العرض الصحي مقارنة بحاجيات الساكنة.
وتزداد دلالة هذا الرقم عندما يوضع في سياق توزيع الأطباء بين القطاعين العام والخاص، حيث يعمل 2349 طبيباً في القطاع الخاص مقابل 1473 طبيباً فقط في القطاع العام، ما يضع المؤسسات الصحية العمومية تحت ضغط متزايد في ظل اعتماد الفئات ذات الدخل المحدود عليها بشكل شبه كامل.
لكن التحدي الأكبر لا يرتبط فقط بعدد الأطباء، بل أيضاً بالجغرافيا الصحية للجهة.
فالتقرير يشير إلى أن سكان بعض المناطق، خاصة في إقليمي فكيك والدريوش، قد يضطرون إلى قطع مسافات تتجاوز 300 كيلومتر للوصول إلى خدمات طبية متخصصة.
هذه المسافات الطويلة تعكس اتساع الفوارق المجالية داخل المنظومة الصحية، وتطرح تساؤلات حقيقية حول مدى قدرة سياسات القرب الصحي على تقليص هذا التفاوت بين المراكز الحضرية والمناطق البعيدة.
وتبرز آثار هذه الاختلالات أيضاً في بعض المؤشرات الصحية، حيث سجل التقرير ارتفاع معدل وفيات الأمهات إلى 34.4 حالة لكل مائة ألف ولادة حية.
وهو معطى يعيد النقاش حول جودة الرعاية الصحية المقدمة، خاصة في المناطق التي تبقى بعيدة عن المراكز الاستشفائية الكبرى حيث تتوفر الإمكانيات الطبية والتخصصات الدقيقة.
وفي تجربة المرضى اليومية مع المنظومة الصحية، تظهر صعوبات أخرى مرتبطة بطول آجال الحصول على المواعيد الطبية.
فـحسب مصادر إعلامية، قد يصل انتظار موعد مع طبيب مختص في أمراض القلب أو طب العيون بالمستشفى الإقليمي بالدريوش إلى ستة أشهر عبر المنصة الرقمية الخاصة بحجز المواعيد، وهو انتظار طويل قد يؤثر على سرعة التشخيص والتكفل بالحالات المرضية، خصوصاً في الأمراض التي تتطلب تدخلاً طبياً في الوقت المناسب.
كما يشير التقرير إلى إكراهات مرتبطة بصيانة المعدات الطبية داخل المؤسسات الصحية بالجهة، إذ يؤدي تمركز شركات الصيانة في مدينتي الرباط والدار البيضاء إلى تأخر إصلاح بعض الأجهزة الحيوية داخل المستشفيات، ما ينعكس على استمرارية الخدمات الطبية ويزيد من الضغط على الأطر الصحية العاملة في القطاع العام.
هذه التحديات لم تمر دون ردود فعل داخل القطاع الصحي نفسه، إذ شهدت مدينة وجدة خلال سنة 2025 تنظيم أكثر من ثمانية أشكال احتجاجية من طرف النقابات الصحية، التي طالبت بتعزيز الموارد البشرية وتحسين ظروف العمل داخل المؤسسات الصحية، إضافة إلى توفير التجهيزات الطبية الضرورية لضمان جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين.
لكن خلف هذه الأرقام والتفاصيل اليومية يبرز سؤال أعمق يتعلق بطبيعة توزيع الخدمات الصحية داخل البلاد.
فحين يصبح الوصول إلى طبيب متخصص في بعض مناطق الشرق رحلة قد تمتد مئات الكيلومترات، فإن النقاش لم يعد تقنياً حول تدبير قطاع صحي فقط، بل يتعلق أيضاً بكيفية تحقيق العدالة المجالية في توزيع الخدمات العمومية.
فالدستور المغربي ينص بوضوح على أن الحق في الصحة حق أساسي لكل المواطنين، غير أن تحويل هذا المبدأ إلى واقع ملموس يظل رهيناً بقدرة السياسات العمومية على تقليص الفوارق بين الجهات وضمان وصول العلاج إلى المواطن أينما كان.
وفي انتظار أن تترجم الإصلاحات الصحية إلى تغيير محسوس في حياة المواطنين، يظل واقع الصحة في جهة الشرق يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه عميقاً:
هل يمكن الحديث عن عدالة صحية حقيقية في بلد قد يضطر فيه المريض إلى قطع مئات الكيلومترات فقط ليصل إلى طبيب؟
