لم يعد شعار “التقشف” وترشيد النفقات كافياً لطمأنة الرأي العام حول سلامة تدبير المال المحلي، إذ وفق معطيات حصلت عليها مصادر مهنية مطلعة على الملف، يبرز واقع مقلق داخل عدد من الجماعات الترابية؛ حيث لم يعد ملف “العمال العرضيين” مجرد وسيلة لسد خصاص مؤقت في الصيانة أو النظافة، بل تحول، في بعض الحالات، إلى ما يشبه “علبة سوداء” تُعاد فيها توجيهات المال العام بطرق تثير تساؤلات حول ارتباطها بتوسيع شبكات الولاء المحلي، في وقت يتقاضى فيه بعض المستفيدين تعويضات دون وضوح كافٍ في طبيعة المهام المنجزة، أو في ظل انشغالهم بأنشطة خاصة موازية.
إن المعطيات التي كشفتها التقارير الأخيرة لا تتوقف عند حدود الضغط على الميزانيات، بل تمتد إلى تسجيل حالات لعمال عرضيين يمتلكون مشاريع تجارية أو أصولاً مادية ذات قيمة، في مفارقة تطرح أكثر من علامة استفهام حول طبيعة هذا الوضع.
وهو ما يجعل من صفة “عامل عرضي” في بعض الحالات إطاراً قانونياً لتلقي تعويضات دورية، تُطرح بشأنها تساؤلات حول مدى ارتباطها بخدمات فعلية، في ظل غياب معطيات دقيقة حول طبيعة الأداء الميداني.
وتشير بعض المعطيات المتداولة داخل دوائر التدبير الترابي إلى أن حالات معينة من العمال العرضيين قد تكون مرتبطة بعلاقات قرابة أو مصاهرة مع فاعلين محليين، وهو ما يطرح تساؤلات إضافية حول معايير الانتقاء، ويفسر في جزء منه مفارقة الجمع بين صفة “عامل عرضي” وأنشطة اقتصادية موازية.
هذا الواقع يعزز الانطباع بأن بعض الجماعات قد تكون بصدد اعتماد أنماط تدبير غير تقليدية، حيث تتحول الموارد البشرية المؤقتة إلى عنصر ضمن توازنات محلية أوسع.
كما أن تسجيل حالات يُشتبه في عدم قيامها بمهام فعلية، مقابل حضور منتظم في كشوفات الأداء، يعيد طرح سؤال الحكامة داخل هذا المجال، وحدود مراقبة صرف المال العام.
ويزداد هذا النقاش حدة مع تسجيل تضخم لافت في أعداد العمال العرضيين داخل بعض الجماعات، إلى درجة تجاوزهم في بعض الأحيان عدد الموظفين الرسميين، وهو ما يطرح تساؤلات حول جدوى هذا الخيار التدبيري، ومدى انسجامه مع الحاجيات الفعلية للسكان.
كما يفتح الباب أمام قراءة تعتبر أن هذا التوسع قد يرتبط أيضاً باعتبارات محلية تتجاوز البعد الإداري الصرف.
ورغم صدور دوريات واضحة تؤطر هذا المجال، وتحدد شروط تشغيل هذه الفئة، فإن المعطيات الميدانية تشير إلى وجود هوامش في التطبيق، يتم من خلالها تأويل النصوص بشكل يسمح باستمرار هذه الممارسات.
كما أن اعتماد عقود قصيرة الأمد يتم تجديدها بشكل دوري، يساهم في تكريس وضعية هشاشة مهنية، قد تكون لها انعكاسات على طبيعة العلاقة بين الجماعة وهذه الفئة من العمال.
كما تفيد معطيات ميدانية بأن بعض العمال العرضيين يُسند إليهم، في حالات معينة، القيام بمهام ذات طابع إداري داخل مرافق الجماعة، بل وأحياناً التواجد داخل مكاتب يفترض أن تكون محصورة على الموظفين الرسميين، وهو ما يثير تساؤلات حول حدود هذه المهام، ومدى انسجامها مع الإطار القانوني المنظم لهذه الفئة، خاصة فيما يتعلق بحماية المعطيات وسرية العمل الإداري، ويفتح الباب أمام نقاش أوسع حول من يتحكم فعلياً في مفاتيح الإدارة المحلية.
في السياق ذاته، فإن مبادرات بعض المستفيدين لإرجاع مبالغ غير مستحقة، بعد تداول معطيات حول اقتراب عمليات التفتيش، يمكن قراءتها كمؤشر على وجود اختلالات تستدعي مزيداً من التدقيق، كما تعكس حساسية المرحلة التي يمر منها هذا الملف.
اليوم، لم يعد النقاش محصوراً في جرد هذه الاختلالات، بل أصبح مرتبطاً بمدى تفعيل آليات ربط المسؤولية بالمحاسبة، وبقدرة منظومة المراقبة على الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة المعالجة الفعلية.
فالأمر لا يتعلق فقط بوقف نزيف محتمل في بعض الميزانيات، بل بكيفية ضمان شفافية أكبر في تدبير الموارد، بما يعزز ثقة المواطن في المؤسسات المنتخبة.
هل ستشكل عمليات التفتيش المرتقبة محطة حقيقية لإعادة ضبط هذا الملف، أم أنها ستقود إلى إعادة ترتيب نفس المعادلات بطرق أكثر حذراً، مع استمرار نفس الأنماط التدبيرية تحت صيغ مختلفة؟
