بينما تُصرف اعتمادات مهمة على دراسات واستشارات لتسويق “جاذبية” المهن التربوية، يكشف ملف أساتذة الإلحاق ورهن الإشارة وخاصة المكلفين بتدريس أبناء الجالية عن اختلالات عميقة في تدبير المسارات المهنية، حيث تتحول سنوات من التراكم إلى معطى غير محسوب بالشكل الكافي داخل المنظومة.
إن المراسلة البرلمانية التي وجهها خالد السطي، المستشار البرلماني باسم الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، إلى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، لا تطرح مجرد إشكال فئوي، بل تسلط الضوء على مفارقة واضحة في تنزيل مبدأ الإنصاف؛ إذ نبه إلى أن عدداً من الأساتذة، بعد سنوات من العمل في إطار الإلحاق أو تدريس أبناء الجالية بالخارج، يجدون أنفسهم عند العودة في وضعية لا تعكس أقدميتهم الحقيقية، وكأن مسارهم المهني يُعاد احتسابه من جديد.
وأوضح السطي، في مضمون مراسلته، أن اعتماد تاريخ تعيين جديد بعد العودة، وعدم احتساب الأقدمية الكاملة في الحركات الانتقالية، يضع هذه الفئات في وضعية غير متكافئة مقارنة بباقي الأساتذة، رغم المهام التي اضطلعوا بها خارج أرض الوطن، والتي تدخل في صميم تمثيل المدرسة المغربية وتعزيز إشعاعها.
كما أشار إلى أن حرمان هذه الفئات من الاستفادة من امتياز الاستقرار المهني، يطرح إشكالاً حقيقياً في توحيد المعايير داخل القطاع، ويدعو إلى مراجعة هذه الوضعيات بما يضمن إنصاف المعنيين بالأمر، وتمكينهم من احتساب مسارهم الإداري بشكل متكامل دون انقطاع.
إن ما يكشفه هذا الملف يتجاوز حدود خلل إداري عابر، ليضعنا أمام مفارقة صارخة بين خطاب يُبشّر بالتحفيز ومنظومة تعيد ترتيب المسارات بطريقة تفرغ التجربة من قيمتها.
فحين يعود أستاذ من مهمة وطنية بالخارج ليجد نفسه في موقع لا يعكس سنوات اشتغاله، فإن الإشكال لا يتعلق فقط بالأقدمية، بل بمعنى الاعتراف نفسه داخل الإدارة.
الأخطر من ذلك أن هذه الوضعيات ترسل رسائل غير معلنة لباقي الأطر: أن الخروج من المسار التقليدي، حتى في إطار خدمة المدرسة المغربية خارج الحدود، قد ينتهي بإعادة ضبط المسار من نقطة البداية.
وهنا تتحول التجربة التي يُفترض أن تكون قيمة مضافة إلى مخاطرة مهنية غير محسوبة.
في العمق، لا يتعلق الأمر بنصوص تنظيمية بقدر ما يتعلق بطريقة قراءة هذه النصوص وتفعيلها.
فحين يغيب التأويل المنصف، تتحول القواعد إلى آليات جامدة، وقد يتحول “التحفيز” إلى مجرد عنوان نظري لا يجد صداه في الواقع.
وعند هذه النقطة بالذات، يبرز السؤال الذي لا يمكن القفز عليه: هل ما تزال المنظومة تكافئ التراكم والخبرة، أم أنها تعيد ترتيب الجميع وفق منطق لا يميز بين من راكم التجربة ومن يبدأ من الصفر؟
لأن الرسالة التي تُقرأ بين السطور اليوم واضحة: ليس كل من مثّل الوطن يعود محمّلاً بالتقدير… بعضهم يعود فقط ليكتشف أن عدّاده أُعيد إلى الصفر.
