بين ضبط المساطر وإعادة تشكيل التنافس
يشكل تحديد موعد 23 شتنبر 2026 لانتخاب أعضاء مجلس النواب لحظة سياسية تتجاوز بعدها الإجرائي، بعدما جاء مرسوماً مؤطراً بدقة لمختلف مراحل العملية الانتخابية، من إيداع الترشيحات إلى ضبط الحملة.
غير أن هذا الإحكام القانوني، على أهميته، يطرح سؤالاً أعمق: هل يتعلق الأمر بتنظيم استحقاق ديمقراطي، أم بإعادة ترتيب شروط التنافس داخل إطار مضبوط سلفاً؟
وفق المقتضيات التنظيمية، تمتد فترة إيداع الترشيحات من 31 غشت إلى 9 شتنبر 2026، مع اعتماد منصة إلكترونية مفتوحة إلى غاية 8 شتنبر، فيما تنطلق الحملة الانتخابية في 10 شتنبر وتنتهي في 22 منه، أي قبل يوم واحد فقط من الاقتراع.
هذا التقسيم الزمني، رغم وضوحه، يعكس إيقاعاً انتخابياً مكثفاً، تختزل فيه مراحل حاسمة داخل مدة محدودة.
هذا الإيقاع لا يمكن قراءته فقط كخيار تقني، بل كعنصر مؤثر في طبيعة التنافس نفسه.
فحين تضيق آجال الترشيح والحملة، يصبح عامل الزمن محدداً أساسياً في تحديد من يملك القدرة على خوض السباق بكفاءة.
في مثل هذه السياقات، تستفيد التنظيمات الأكثر جاهزية، بينما تجد المبادرات السياسية الناشئة أو المستقلون أنفسهم أمام هامش ضيق لبناء حضور فعلي.
في تجارب ديمقراطية أوروبية، يُنظر إلى الزمن الانتخابي كجزء من بيئة التنافس، لا مجرد إطار تنظيمي.
ففي فرنسا وألمانيا وإسبانيا، تمتد الدينامية السياسية إلى ما قبل الحملة الرسمية، بما يسمح بتدرج النقاش العمومي وتوسيع دائرة المشاركة، بدل تكثيفها في فترة قصيرة.
إلى جانب عامل الزمن، يبرز التحول نحو الرقمنة كأحد أبرز ملامح هذا الاستحقاق.
اعتماد منصة إلكترونية لإيداع الترشيحات يعكس توجهاً نحو تحديث الإدارة الانتخابية، لكنه في الآن ذاته يطرح سؤالاً حول أثر هذا التحول على شروط الولوج إلى المنافسة.
ففي بيئة تتفاوت فيها الإمكانيات التقنية والتنظيمية، قد تتحول الرقمنة إلى عامل يعيد ترتيب موازين الحضور السياسي بشكل غير مباشر.
في هذا السياق، يمكن الحديث عن تحول نحو ما يشبه “النسخة الرقمية للمخزن”، حيث تنتقل آليات الضبط من صيغها التقليدية إلى أدوات أكثر هدوءاً، قائمة على المنصات والإجراءات الرقمية والإيقاع الزمني المضبوط، بما يعيد تشكيل بيئة التنافس دون إعلان صريح عن ذلك.
في المقابل، يظل النقاش السياسي الموازي محدوداً، حيث يتركز التفاعل الحزبي حول الجوانب التقنية، بينما تغيب إلى حد بعيد نقاشات معمقة حول البرامج والرهانات الكبرى، في مشهد يعكس نوعاً من الانتظارية السياسية التي تضعف دينامية التنافس.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في التقنية بحد ذاتها، بل في الكيفية التي قد تتحول بها إلى غاية تبرر أشكالاً جديدة من الإقصاء غير المباشر.
فإذا استمرت هندسة المواعيد والمنصات في التقدم على حساب هندسة الأفكار والبرامج، فإن ما قد ينتج ليس استقراراً ديمقراطياً بقدر ما هو “جمود منظم” يُفرغ العملية الانتخابية من مضمونها السياسي.
الرهان في 23 شتنبر لا يتعلق فقط بمدى نجاعة المنصة الإلكترونية في تدبير الترشيحات، بل بقدرة العملية الانتخابية ككل على استعادة ثقة مواطن بات يطرح أسئلة متزايدة حول موقعه داخل هذه المعادلة: هل تظل التكنولوجيا أداة لتيسير المشاركة، أم تتحول، في نظره، إلى وسيلة لضبطها؟
