في كل مرة تعلن فيها الحكومة عن دفعة جديدة من “دعم مهنيي النقل”، يُفترض نظرياً أن تنعكس تلك المليارات على استقرار الأسعار وحماية القدرة الشرائية للمواطن البسيط.
غير أن الواقع يسير في اتجاه معاكس تماماً؛ فالأسعار تواصل تحليقها، والاحتقان الاجتماعي يتنامى، بينما يظل أثر هذا التمويل غامضاً، إن لم يكن منعدماً، في المعيش اليومي للمغاربة.
وضعت البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، فاطمة الزهراء الثامني، يدها على جوهر الخلل في هذه السياسة العمومية.
ففي تدوينة نشرتها عبر حسابها الرسمي، لم تكتفِ برصد التناقض بين حجم الإنفاق وغياب النتائج، بل تساءلت بحدة: “مرة أخرى تقرر الحكومة ضخ الملايير تحت عنوان ‘دعم مهنيي النقل’ دون أي أثر ملموس على أرض الواقع! الدعم يتكرر بإشراف وزارة النقل واللوجيستيك، لكن الأسعار تواصل الارتفاع، والقدرة الشرائية للمغاربة تتآكل… فمن المستفيد الحقيقي؟”.
هذا الطرح لا يختزل فقط موقفاً سياسياً معارضاً، بل يلامس إشكالية بنيوية في تدبير سوق المحروقات والنقل بالمغرب، تتمثل في غياب الربط الصارم بين الأموال العمومية المصروفة والنتائج الفعلية على مستوى الأسعار.
وتذهب الثامني أبعد من ذلك، معتبرة أن هذه الآلية تحولت إلى ممارسة شبه دائمة لإعادة توزيع الموارد دون شروط واضحة للمساءلة، متسائلة عن المنطق الذي يموّل الوسطاء بدل حماية المواطنين، وعن غياب المحاسبة وربط الدعم بتسقيف الأسعار أو مراقبة الأرباح.
المفارقة اللافتة أن الدولة تتدخل مالياً بسخاء عبر هذا الدعم، لكنها تتراجع تنظيمياً حين يتعلق الأمر بضبط السوق أو مراقبة هوامش الربح، ما يجعل هذه السياسة أقرب إلى تعويض غير مباشر لفاعلين اقتصاديين، بدل أن تكون أداة لحماية المستهلك النهائي.
فبينما تتحدث لغة الأرقام الرسمية عن ضخ الملايير، تكشف لغة الأسواق عن واقع مغاير، حيث يواصل لهيب الأسعار التمدد دون أن يسلم منه حتى أبسط المواد الاستهلاكية.
وفي هذا السياق، وصفت الثامني هذا الوضع بكونه “حلقة مفرغة تغذي الريع بدل أن تُنهيه”، في مشهد يعيد طرح سؤال جوهري: كيف يمكن لكل هذه الموارد أن تُضخ، بينما تظل قفة المواطن تحت ضغط مستمر لا يعكس أي أثر ملموس لهذا الدعم؟
وفي مقابل هذا النزيف المالي، تطرح التدوينة بدائل توصف بـ“المعطلة”، من قبيل إعادة تشغيل مصفاة “سامير” لتعزيز السيادة الطاقية، ومراجعة قرار تحرير أسعار المحروقات، إلى جانب وضع سقف لهوامش الربح التي راكمتها شركات التوزيع خلال السنوات الأخيرة.
ما يتشكل اليوم يتجاوز مجرد جدل سياسي عابر، ليعكس أزمة أعمق في تدبير العلاقة بين المال العام والسوق.
فحين يتحول الدعم إلى آلية متكررة دون أثر ملموس، وحين تغيب الشفافية حول المستفيدين الحقيقيين، فإن الثقة في نجاعة السياسات العمومية تصبح على المحك.
وهنا لا يعود السؤال فقط: من يستفيد؟ بل يتجاوزه إلى سؤال أكثر إلحاحاً: من يحمي هذا النموذج، ولماذا يستمر رغم كلفته الاجتماعية المتصاعدة؟
