يبدو أن المرحلة التي كانت تسمح بهوامش واسعة في تدبير التصريحات المرتبطة برسم السكن تقترب من نهايتها، مع دخول المديرية العامة للضرائب مرحلة أكثر صرامة في مراقبة أنماط الاستغلال الفعلي للعقارات.
فبعد سنوات كان فيها تغيير صفة السكن من “ثانوي” إلى “رئيسي” يُستعمل، في بعض الحالات، كآلية لتخفيف العبء الجبائي، أصبح هذا السلوك اليوم محاطاً بتدقيق متزايد ومخاطر مالية ملموسة، في ظل تفعيل غرامات وزيادات مهمة.
هذا التحول لا يعكس فقط تشديداً تقنياً في آليات التحصيل، بل يؤشر على توجه أعمق نحو ربط التصريح الجبائي بالواقع الميداني، بما يحد من إمكانيات التأويل أو الاستعمال المرن لبعض المساطر الإدارية.
فالإدارة الجبائية لم تعد تكتفي بالتصريحات الورقية، بل بدأت في التحقق من شروط الاستفادة من الامتيازات المرتبطة بالسكن الرئيسي، خاصة في ما يتعلق بالإقامة الفعلية أو وضع العقار رهن إشارة الأصول أو الفروع وفق ما ينص عليه القانون.
وفي هذا السياق، برزت خلال الفترة الأخيرة مؤشرات على تزايد محاولات إعادة تصنيف بعض العقارات، مدعومة أحياناً بوثائق إدارية لا تعكس دائماً واقع الاستغلال الحقيقي.
وهو ما دفع مصالح المراقبة إلى تكثيف عمليات التدقيق والتحري، مع تفعيل الجزاءات المنصوص عليها قانوناً، والتي تشمل زيادات قد تصل إلى 15 في المائة، إضافة إلى غرامات شهرية عن التأخير.
غير أن هذا التشديد، على أهميته في حماية الوعاء الضريبي، يطرح سؤالاً لا يقل أهمية: هل يُطبّق بنفس الدرجة على جميع الملزمين؟ فالنقاش العمومي المغربي، في أكثر من مناسبة، عبّر عن حساسية متزايدة تجاه مبدأ تكافؤ الخضوع للقواعد الجبائية، خاصة في ظل تكرار حالات يُعتقد أنها تُعالج بإيقاع مختلف حسب طبيعة الملف أو موقع صاحبه.
ولا يمكن فصل هذا الإحساس عن بعض القضايا التي أثارت جدلاً واسعاً، من بينها الملف المرتبط بعملية تفويت عقار من طرف وزير العدل لزوجته عبر عقد هبة، مع التصريح بقيمة أثارت نقاشاً بين متتبعين وخبراء حول مدى انسجامها مع القيمة السوقية الحقيقية للعقار.
ورغم تأكيد المعني بالأمر قانونية الإجراء واستعداده لأي مراجعة ضريبية، فإن هذا الملف لا يزال يغذي نقاشاً متواصلاً، ويضع فعلياً مصداقية منظومة المراقبة الجبائية أمام اختبار علني.
ففي الوقت الذي تعزز فيه الإدارة أدواتها الرقمية لتتبع أدق تفاصيل التصريح والاستهلاك، يبرز في المقابل تساؤل متنامٍ داخل الرأي العام حول مدى اتساق هذا التشدد.
إذ إن العين التي تشتد في مراقبة بعض الوضعيات البسيطة، يُنتظر منها بالقدر نفسه أن تُظهر نفس اليقظة والصرامة في ملفات أكثر حساسية، خاصة تلك التي تثير نقاشاً واسعاً حول التقديرات والقيم المصرح بها.
وهو ما يجعل جزءاً من المواطنين يتساءل عمّا إذا كان هذا التشديد يُطبّق بنفس الوتيرة وعلى نفس المسافة من الجميع.
في المقابل، لا يمكن إغفال أن جزءاً من هذه الإشكالات يرتبط بطبيعة المنظومة نفسها.
فاعتماد رسم السكن على القيمة الإيجارية التقديرية، التي تُحدد بناءً على معايير مقارنة داخل نفس المجال الترابي، يظل في بعض الحالات محل نقاش، خاصة في ظل تفاوت التقديرات وعدم تحيينها بما يعكس التحولات الفعلية في السوق العقارية.
كما أن تعقيد بعض المساطر أو تعدد التأويلات القانونية قد يفتح المجال أمام ممارسات متفاوتة بين الامتثال والتفادي.
في هذا الإطار، يصبح تشديد الرقابة خطوة ضرورية، لكنه غير كافٍ لوحده.
فنجاح أي سياسة جبائية لا يقاس فقط بحجم الغرامات المحصلة، بل بقدرتها على ترسيخ شعور جماعي بالإنصاف. ذلك أن الامتثال لا يُبنى بالخوف وحده، بل بالثقة أيضاً؛ ثقة في أن القواعد واضحة، وأن تطبيقها يتم على قدم المساواة، دون استثناء أو انتقائية.
وبين صرامة النصوص القانونية وتعقيد الواقع العملي، تظل العدالة الجبائية رهينة بقدرة المؤسسات على تحقيق التوازن بين الردع والإنصاف، وبين التحصيل والثقة.
فحين يشعر المواطن أن القانون يُطبق عليه بدقة، ينتظر بالقدر نفسه أن يرى هذا التطبيق يمتد إلى الجميع، بنفس الوضوح ونفس الحزم، لأن الجباية، في نهاية المطاف، ليست مجرد أرقام تُحصَّل، بل علاقة ثقة تُبنى أو تُهدم.
