تضعنا المعطيات الصادمة التي أوردها الصحافي عبد الوفي العلام، ضمن تقرير نشرته جريدة “ريحانة برس”، أمام الوجه الحقيقي لتدبير المجال بمدينة سلا؛ وجه لا يرى في الأرض مرفقاً عمومياً يخدم الأمهات والأطفال، بل يختزلها في بقعة قابلة للتحويل إلى أرباح سريعة.
فما جرى في منطقة سيدي موسى لا يمكن اختزاله في “اختلال إداري” عابر، بل يكشف عن مسار واضح تم فيه تحويل مشروع دار للولادة إلى تجزئة سكنية خاصة، في مشهد يعكس اختلالاً عميقاً في ترتيب الأولويات.
وبحسب ما أورده عبد الوفي العلام، فإن تجزئة “المالكي” (الترخيص رقم 170/03) أُقيمت فوق وعاء عقاري كان مخصصاً ضمن تصميم التهيئة لإحداث دار للولادة ومرفق إداري، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول الكيفية التي تغيّرت بها وظيفة هذا العقار، وكيف مرّ هذا التحول دون أن يثير ما يكفي من النقاش أو التدقيق في حينه.
النتيجة اليوم ليست مجرد رقم في تقرير، بل واقع يومي تعيشه نساء سيدي موسى ونواحيها؛ نساء يضطررن لقطع المسافات نحو مستشفيات الرباط، حيث تعرف مصالح الولادة، سواء بمستشفى ابن سينا أو السويسي، ضغطاً متزايداً.
سلا هنا لا تصدر فقط اليد العاملة للعاصمة، بل تصدر أيضاً أوجاع المخاض، في نتيجة مباشرة لغياب مرافق صحية كان من المفترض أن ترى النور داخل أحيائها.
غير أن ما وقع لا يمكن فهمه دون طرح سؤال المسؤولية التقنية. فمرور هذا التحول “الناعم” يضع علامات استفهام كبرى حول دور الوكالة الحضرية بسلا؛ كيف لعين التقني التي لا تخطئ شبراً في مخالفات المواطن البسيط، أن تغمض جفنيها عن هكتارات كانت مخصصة لولادة جيل جديد، لتتحول فجأة إلى مجال مفتوح لمنطق البيع والشراء؟
هذا المسار يعكس ما يشبه تجريفاً حضرياً صامتاً، تُمحى فيه المرافق العمومية لصالح كتل إسمنتية مغلقة، في سياق تتحول فيه وثائق التهيئة من مرجعية ملزمة إلى أرضية قابلة لإعادة التأويل حسب ميزان المصالح.
فالأمر لم يعد يتعلق فقط بخرق تقني، بل بتحول في فلسفة تدبير المجال.
كما أن هذا الملف، رغم قدمه، لا ينتمي إلى الماضي بقدر ما يعكس نمطاً مستمراً.
فهو ليس مجرد رخصة قديمة تحمل رقم 170/03، بل نموذج يفسر كيف تُعاد هندسة التوازنات داخل المدينة، وكيف يتحول العقار في بعض الأحيان إلى أداة لإنتاج النفوذ وبناء الولاءات، في سياق سياسي واقتصادي متداخل.
قضية “تجزئة المالكي” تتجاوز حدود ملف عقاري لتتحول إلى عنوان لاختلال أعمق في تدبير المدينة؛ اختلال يكشف كيف يمكن أن يختفي مرفق عمومي من الذاكرة التخطيطية، بينما يترسخ منطق الإسمنت كخيار فعلي على الأرض.
وبين ذاكرة مشروع لم يرَ النور وواقع عمراني يفرض نفسه، يبقى الرهان معلقاً على قدرة مؤسسات المراقبة على كسر هذا الصمت، وإعادة ترتيب الأولويات بما ينسجم مع حاجيات المواطنين لا مع منطق الربح فقط.
