بقلم: مراد مجاهد
في زمنٍ أصبحت فيه الكاميرا أحيانًا أعلى صوتًا من النص القانوني، يطفو على السطح نوعٌ من الخطاب الذي يبدو في ظاهره دفاعًا عن العدالة، لكنه في عمقه يلامس حدودًا دقيقة بين الحق والفوضى، بين هيبة الدولة واندفاع الأفراد.
ليس لأننا أمام وقائع معزولة، بل لأننا إزاء تصورٍ آخذٍ في التشكل، يختزل القانون في تأويل شخصي، ويستبدل المسطرة بإرادة فرد، ولو كان هذا الفرد قد مرّ يومًا عبر مؤسسات الضبط أو اكتسب معرفةً تقنيةً بمسالكها.
هنا بالضبط، يصبح النقاش واجبًا، لا بدافع الخصومة، بل بدافع حماية المعنى نفسه الذي يقوم عليه وجود القانون.
إن الإحالة على الفصل 76 من قانون المسطرة الجنائية، كما يُروَّج لها في بعض الخرجات الرقمية، تطرح إشكالًا يتجاوز مجرد سوء الفهم إلى خطر إعادة تعريف المفاهيم.
فهذه المادة، في جوهرها، لم تُصغ لتُنشئ سلطة موازية بيد الأفراد، بل لتضبط حالة استثنائية ضيقة تُعرف بحالة التلبس، حيث يكون الفعل الجرمي حاضرًا في لحظته، وتكون الاستجابة ضرورةً لحماية فورية، لا مشروعًا مؤجلًا، ولا خطةً معدّة سلفًا.
أما تحويلها إلى أداة للترصّد، أو سندٍ لملاحقة أشخاصٍ بناءً على شكايات، مهما كان عددها أو طبيعتها، فهو انتقال خطير من روح النص إلى نقيضه، ومن منطق القانون إلى منطق القوة.
والأخطر من ذلك، ليس في الخطاب ذاته، بل في الأثر الذي قد يخلّفه. حين يُقدَّم القانون كأداة قابلة للتوظيف الفردي، وحين يُلمَّح إلى إمكانية “التدخل” خارج القنوات الرسمية، فإن الرسالة التي قد تصل إلى المتلقي البسيط ليست فهمًا دقيقًا للنصوص، بل إذنًا ضمنيًا بإمكانية التصرف خارجها.
وهنا لا يعود الأمر متعلقًا بشخصٍ بعينه، سواء قُدِّم بصفته خبيرًا أمنيًا أو استُحضر ماضيه المهني، بل بفكرةٍ أخطر: أن المعرفة بالقانون قد تُغني عن الامتثال له، وأن التجربة داخل مؤسسات الدولة قد تُبرّر الحلول محلها.
وهي فكرة، إن استقرت، لا تُنتج عدالة، بل تُنتج نسخًا متعددة من السلطة، متنازعة، متصادمة، بلا ضابط ولا ميزان.
إن قرينة البراءة، التي تشكّل حجر الزاوية في كل بناء جنائي سليم، لا تتجزأ ولا تُعلّق على عدد الشكايات أو صداها الإعلامي.
فالمتهم، كيفما كان موقعه، يبقى بريئًا إلى أن تقول المحكمة كلمتها، لا إلى أن يقتنع خصمه، ولا إلى أن يُجمع عليه الرأي العام.
واللجوء إلى القضاء ليس خطوةً ضمن مسار شخصي قابل للاستكمال بوسائل أخرى، بل هو تنازل صريح عن منطق المواجهة المباشرة، وتسليمٌ للنزاع إلى جهةٍ مختصة، وحدها تملك سلطة التقدير والتنفيذ.
ومن هنا، فإن الجمع بين وضع الشكاية والتلويح بالتدخل الميداني لا يكشف قوةً في الموقف، بل تناقضًا في المنطلق.
قد يُفهم صمت المؤسسات أحيانًا على غير وجهه، وقد يُقرأ باعتباره ترددًا أو تساهلًا، لكنه في الغالب يعكس منطقًا آخر، أكثر هدوءًا وأشد صرامة: أن الدولة لا تتحرك بالانطباعات، بل بالأفعال، ولا تبني قراراتها على الضجيج، بل على الوقائع. غير أن هذا الصمت، مهما كانت مبرراته، يظل بحاجةٍ إلى تأطيرٍ واضح، لأن ترك المجال لتأويلاتٍ من هذا النوع قد يفتح الباب، دون قصد، أمام من يعتقد أن النصوص قابلة لإعادة الكتابة خارج المؤسسات.
ليس المقصود من هذا الكلام مصادرة حرية التعبير، ولا الحجر على الآراء، بل العكس تمامًا: حماية هذا الحق من أن يتحول إلى وسيلة لبث قراءات قد تُفضي إلى المساس بحقوق الغير أو بهيبة الدولة.
فالتعبير يظل حقًا مكفولًا، ما دام يحترم الحدود التي ترسمها القوانين، وما دام لا ينزلق إلى الدعوة الضمنية لممارسات قد تُخرج الأفراد من موقع المواطن إلى موقع من ينفذ ما ليس له أن ينفذه.
وفي النهاية، يظل هذا القول اجتهادًا لا يدّعي العصمة، قراءةً لما يُتداول وتأويلًا لما يظهر من خطابٍ قد يلتبس على المتلقي بين القانون وتأويله.
فإن أصبنا، فبفضلٍ من الله وتوفيق، وإن أخطأنا، فذلك من حدود الفهم الذي يظل قاصرًا أمام دقة النصوص وروحها، دون أن يمس ذلك بثوابت راسخة لا يختلف حولها اثنان: أن القانون لا يُمارَس خارج مؤسساته، وأن العدالة لا تُنتَج بالأفراد مهما حسنت نواياهم، وأن الاحتكام يظل دائمًا إلى القضاء، لا إلى ما يُتصوَّر أنه طريقٌ مختصر إليه.
