لم يعد شباب المغرب يهاجرون؛ إنهم ينتفضون بالغياب، ويمارسون أقصى درجات الرفض السياسي لواقع لم يعد يتسع لكرامتهم.
فحين يقرر شاب أن يلقي بجسده في أمواج المتوسط ببدلة غطس بسيطة، فهو لا يبحث عن “تحسين وضع اجتماعي” بقدر ما يهرب من “موت بطيء” على رصيف الانتظار.
إن هذا الهروب الجماعي هو إعلان قطيعة مع “دولة المهرجانات” التي تنفق بسخاء على الترفيه والألعاب الإلكترونية والمعارض الباذخة، في وقت يرى فيه الشاب أن مستقبله أصبح، في نظره، “مؤمماً” لصالح فئات لا تشبهه.
ولا تأتي هذه الصور من فراغ، بل في سياق تكرار حوادث مأساوية رفعت عدد الضحايا إلى مستويات مقلقة، حيث تحول هذا المسار إلى واحد من أخطر طرق الهجرة غير النظامية، في ظل ظروف مناخية قاسية ومخاطر لا تُحتمل.
الحقيقة المرة التي يجب أن تُقال بلا مساحيق هي أننا نبني واجهات لامعة لبيت تتداعى أساساته، وأن الإنصات الحقيقي لا يكون عبر لقاءات مؤثثة، بل عبر الاستجابة لصرخات شباب يشعر أن وطنه صار “ضيعة” لغيره.
في هذا السياق، يطرح سؤال أكثر إيلاماً نفسه: كيف يمكن الحديث عن تحسين “مؤشر السعادة”، في وقت يختار فيه شباب في عز الزهور مواجهة المجهول بأجسادهم؟ أي معنى للأرقام حين تصبح الحياة نفسها مشروع مخاطرة يومي؟ وأي قيمة للتصنيفات الدولية إذا كانت لا تعكس هذا النزيف الصامت الذي يحدث على مشارف الحدود؟
الأكثر إيلاماً من الفاجعة هو هذا الصمت الرسمي الذي يعقبها، وكأن أرواح المغاربة تحولت إلى مجرد “أرقام إحصائية” في تقارير باردة لا تستدعي حتى نقاشاً عمومياً حقيقياً.
هنا يطفو سؤال لا يمكن تجاهله: أين موقع السياسات العمومية الموجهة للشباب من هذا النزيف الصامت؟ وهل تُقاس نجاعتها بعدد التظاهرات والمعارض، أم بعدد الأرواح التي يتم إنقاذها من هذا المصير؟
في الدول التي تحترم إنسانها، تتحول مثل هذه الحوادث إلى لحظة مساءلة سياسية عميقة، تُفتح فيها ملفات السياسات المرتبطة بالشباب والهجرة والتشغيل.
أما هنا، فيمر غرق 12 شاباً وكأنه حادث عابر، ما يعكس تطبيعاً مقلقاً مع المأساة واستمرار فجوة الثقة بين الشباب ومؤسسات يفترض أنها وُجدت لخدمتهم.
هذا الغياب للمحاسبة يرسل رسالة واضحة: أن حياة هؤلاء لا تدخل ضمن أولويات القرار العمومي.
إن البحر في واقعنا تحول إلى “صندوق اقتراع” بديل، حيث يصوّت الشباب بأجسادهم للخروج بلا عودة، هرباً ليس من الفقر وحده، بل من الظلم والمحسوبية وإحساس الغربة داخل الوطن.
فالدولة التي تنجح في “تسييج حدودها” وتفشل في “احتضان أبنائها” تجد نفسها أمام أزمة معنى حقيقية؛ لأن السيادة لا تُقاس فقط بالقدرة على ضبط الحدود، بل بجعل الوطن مكاناً لا يرغب أحد في مغادرته… حتى وهو يواجه أقسى الظروف.
إلى أن يُدرك تدبير الشأن العام أن الوطن ليس “شركة” تُدار بمؤشرات الأداء والجرد السنوي، بل هو “حضن” يُقاس بمقدار الكرامة التي يمنحها لأبنائه، سيظل البحر يكتب تقاريره القاسية كل ليلة.
وحينها، لن تنفع كل “أسلاك” الحدود في إخفاء الحقيقة، ولن تجدي كل “المهرجانات” في تغطية صمت الجثث.
