بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد أمام لغة التجميل السياسي متسع كبير للمناورة بعد الأصداء التي خلفها تقرير معهد “Varieties of Democracy” (V-Dem) لسنة 2026. فاحتلال المغرب المرتبة 107 عالمياً لا يبدو مجرد تعثر ظرفي في سلم الترتيب، بقدر ما يعيد طرح أسئلة عميقة حول موقع ما يُعرف بـ”الاستثناء المغربي” داخل مؤشرات القياس الدولية.
اليوم، يضع التقرير المغرب ضمن فئة الأنظمة “الأوتوقراطية”، وفق منهجيته الخاصة، وهو تصنيف يعيد النقاش حول وضعية الممارسة الديمقراطية ومستوى حماية الحقوق والحريات.
كشفت معطيات التقرير أن هذا التصنيف يستند إلى تحليل مركب يشمل أزيد من 600 مؤشر، تقيس توازن السلط، ونزاهة العمليات الانتخابية، ومدى استقلال المؤسسات، إضافة إلى مؤشرات الحريات المدنية.
ووفق هذه القراءة، فإن موقع المغرب في هذا المؤشر يعكس، حسب التقرير، مستويات تعتبر محدودة في بعض هذه الجوانب، خاصة ما يتعلق بحرية التعبير، ودور الفاعلين السياسيين، وحدود التعددية داخل الحقل العام.
ولا يقف الأمر عند حدود هذا التصنيف الرقمي، بل يمتد ليعكس، في عمقه، ما يمكن وصفه بـ”هندسة صامتة للتراجع”، حيث يُلاحظ تراجع أدوار مؤسسات الوساطة التقليدية، من أحزاب ونقابات، مقابل صعود نمط تدبيري أكثر مركزية، تميل فيه السلطة التنفيذية إلى توسيع نطاق تأثيرها، في سياق يطرح تساؤلات حول فعالية آليات التوازن والمحاسبة داخل النسق السياسي.
وفي موازاة ذلك، لا تظل هذه المؤشرات معطيات مجردة، بل تتقاطع مع واقع يومي يعيشه المواطن، حيث تتداخل التحديات الاقتصادية والاجتماعية مع نقاش متصاعد حول حدود الحريات العامة.
فالمرتبة 107 لا تُقرأ فقط كرقم في تقرير دولي، بل كإشارة إلى فجوة متنامية بين تطلعات المجتمع وإيقاع الإصلاحات، في ظل ضغط معيشي متزايد وإحساس متنامٍ بضيق هوامش التعبير في بعض الحالات.
كما يعيد هذا التصنيف إلى الواجهة الجدل حول مفهوم “الخصوصية”، الذي غالباً ما يُستحضر في تفسير مسارات الإصلاح السياسي.
غير أن التحولات العالمية المتسارعة، ومعايير التقييم الدولية، تجعل من هذا الطرح محل نقاش، خاصة في ظل تركيز هذه المؤشرات على عناصر محددة مثل استقلال القضاء، ووضوح الفصل بين السلط، وضمان حرية الصحافة كمرتكزات أساسية لأي نموذج ديمقراطي.
إن الرهان اليوم لم يعد مرتبطاً فقط بتحسين ترتيب في مؤشر دولي، بل بمدى القدرة على تحويل هذه الإشارات إلى لحظة تقييم ذاتي هادئ ومسؤول.
فالتحدي لا يكمن في مجاراة الأرقام بقدر ما يكمن في تقليص المسافة بين الخطاب والممارسة، وبين الوعود والنتائج، بما يعيد بناء الثقة في المؤسسات.
ويبقى التخوف قائماً من أن يتحول هذا الترتيب من مجرد مؤشر ظرفي إلى وضعية مستقرة، إذا لم تُواكب هذه الإشارات بإصلاحات عميقة تعيد الاعتبار لمنطق المؤسسات والتوازن بين السلط.
فالثقة لا تُبنى بالتواصل فقط، بل تُؤسس عبر ممارسات ملموسة تعزز الإحساس بالإنصاف وتكرّس فعلياً دولة القانون… وإلا فإن الأرقام ستستمر في قول ما لا يُقال.
