بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد الحديث عن الماء في المغرب مجرد نقاش تقني أو أرقام تُستعرض في التقارير، بل تحول إلى سؤال مركزي يرتبط باستقرار المجتمع واستدامة موارده.
فبينما تُظهر المعطيات الرسمية ونتائج Afrobarometer، استناداً إلى الجولة التاسعة (Round 9) المنشورة تقاريرها بين 2024 و2025، تقدماً لافتاً في تعميم الربط بشبكات الماء بنسبة تصل إلى 95%، يبرز في المقابل سؤال أكثر عمقاً: هل يكفي توفر البنية التحتية لضمان الأمن المائي في سياق يتسم بندرة متزايدة؟
هذا التقدم، الذي يعكس استثمارات مهمة راكمها المغرب على مدى سنوات، يضع المملكة ضمن الدول الإفريقية المتقدمة نسبياً في هذا المجال.
غير أن المفارقة تكمن في أن الربط بالشبكة، في ظل توالي سنوات الجفاف، لم يعد مرادفاً تلقائياً لضمان الاستمرارية، بل أصبح رهيناً بتوازن دقيق بين العرض والطلب، وبين الإمكانات الطبيعية وحدود الاستغلال.
فوجود الأنابيب لم يعد يعني بالضرورة وفرة المورد، بقدر ما يطرح سؤال القدرة على الحفاظ عليه.
ومن بين المؤشرات اللافتة، أن نسبة محدودة فقط من المغاربة
حوالي 3% تعتبر إمدادات المياه أولوية حكومية قصوى. هذا المعطى لا يمكن قراءته فقط كمؤشر على الرضا، بل يعكس أيضاً اختلالاً في ترتيب الأولويات، حيث تتقدم الإكراهات المعيشية اليومية، مثل كلفة الحياة والقدرة الشرائية، على قضايا استراتيجية بعيدة المدى.
وهو ما يطرح تحدياً حقيقياً في ما يتعلق بتقاطع الوعي المجتمعي مع رهانات الأمن المائي، خاصة في سياق لم يعد فيه الماء مجرد خدمة، بل مورداً استراتيجياً يحدد توازنات اقتصادية واجتماعية كاملة.
في المقابل، تكشف المعطيات المرتبطة بالتغيرات المناخية عن تحول ملموس في سلوك المواطنين، إذ أفاد 47% منهم أنهم اضطروا خلال السنة الماضية إلى تقليص استهلاكهم من المياه أو تغيير مصدرها.
هذا التحول لا يعكس فقط تنامي الوعي البيئي، بل يشير أيضاً إلى تكيف اضطراري مع واقع مائي أكثر هشاشة، حيث يصبح الاقتصاد في الاستهلاك استجابة لقيود مفروضة، لا مجرد اختيار فردي، في ظل ضغوط بيئية تتزايد حدتها عاماً بعد آخر.
ورغم أن نسبة الرضا عن خدمات الماء والصرف الصحي تصل إلى 61%، فإن وجود نسبة مهمة
تناهز 38%تعبّر عن عدم رضاها، يسلط الضوء على تباينات مجالية واجتماعية قائمة.
فبين المدن التي تستفيد من استثمارات متقدمة، ومناطق أخرى أكثر هشاشة، تبرز إشكالية ما يمكن تسميته بـ”توازن الاستفادة”، حيث لا تُترجم المؤشرات الوطنية دائماً إلى واقع متكافئ على المستوى المحلي، خاصة في المناطق الأكثر تأثراً بندرة الموارد.
وفي هذا السياق، يطرح تحدي التغيرات المناخية نفسه كعامل حاسم في إعادة صياغة معادلة الماء في المغرب.
فالتقدم في البنية التحتية، مهما كان مهماً، يظل محدود الأثر إذا لم يُواكب بسياسات ناجعة لتدبير الطلب، وتثمين الموارد، وضمان استدامتها.
وهو ما ينقل النقاش من منطق “تعميم الخدمة” إلى أفق أوسع عنوانه “تأمين المورد”، في ظل واقع لم تعد فيه المعادلة مرتبطة فقط بالتجهيز، بل بقدرة المنظومة على الصمود.
لقد دخل المغرب مرحلة دقيقة، لم يعد فيها الرهان فقط على إيصال الماء إلى المواطن، بل على ضمان استمراريته في ظل ضغوط متزايدة.
وبين مؤشرات إيجابية تعكس مجهوداً بنيوياً، وتحديات بيئية تفرض نفسها بإلحاح، يتشكل واقع جديد يجعل من الأمن المائي قضية استراتيجية تتجاوز الأرقام نحو سؤال القدرة على الاستباق والتكيف.
