بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد النقاش داخل الحزب الاشتراكي الموحد يدور حول موقع اليسار في مواجهة التحولات الاقتصادية والاجتماعية، بقدر ما انحصر، بشكل لافت، في سؤال داخلي ضيق: من يمتلك شرعية التحدث باسم الحزب؟ إن بروز ما سُمّي بـ“تيار اليسار الجديد المتجدد” لم يكن حدثاً تنظيمياً عادياً، بل كشف عن لحظة توتر عميقة تعكس اختلالاً في التوازن بين منطق المؤسسات ومنطق التعبير السياسي داخل “بيت الشمعة”.
كشفت معطيات متداولة في أوساط مهنية أن هذا التيار اختار الخروج إلى العلن عبر ندوة صحافية لتقديم أرضيته الفكرية والتنظيمية، في خطوة تحمل دلالتين متوازيتين: من جهة، تعبير عن انسداد قنوات النقاش الداخلي، ومن جهة أخرى، محاولة لفرض نقاش سياسي في الفضاء العمومي بعد أن ضاقت به المؤسسات التنظيمية.
هذا الانتقال من الداخل إلى الخارج لا يعكس فقط خلافاً حول المساطر، بل يوحي بوجود سؤال أعمق لم يعد يجد مكانه داخل البنية الحزبية.
في المقابل، جاء رد القيادة، بقيادة الأمين العام جمال العسري، حاسماً من حيث الشكل، عبر نزع أي شرعية تنظيمية عن هذا التيار والتلويح بتفعيل مساطر تأديبية.
غير أن هذا التشبث الصارم بالقواعد، رغم وجاهته القانونية، يثير إشكالاً سياسياً يتجاوز النصوص: هل يمكن للمسطرة أن تعوّض غياب الإقناع؟ وهل يكفي ضبط التنظيم لضمان حيوية الفكرة؟
إن تحويل الخلاف إلى قضية انضباط لا يلغي جوهره، بل يؤجله. فالحزب الذي يجد نفسه مهدداً بندوة صحافية صادرة عن أحد مكوناته، هو حزب يواجه صعوبة في استيعاب التعدد داخل بنيته، وهو ما يجعل أي اختلاف يبدو كأنه خروج عن الجماعة بدل أن يكون تعبيراً عن دينامية داخلية. وهنا بالضبط يتجلى ضيق الفضاء السياسي الذي يفترض فيه أن يكون الأكثر رحابة للاختلاف.
المفارقة أن هذا التوتر الداخلي يتزامن مع سياق وطني مثقل بالأسئلة الكبرى: غلاء معيشة يضغط على الفئات الوسطى، تحولات اقتصادية تعيد رسم موازين القوة، وتراجع واضح في ثقة المواطن في الفعل الحزبي. وفي خضم هذه التحولات، ينشغل جزء من اليسار بإدارة توازناته الداخلية بدل الانخراط في إنتاج بدائل قادرة على ملامسة انتظارات المجتمع.
إن الانتقال من “سؤال البديل” إلى “حدود الموقع” ليس تفصيلاً عابراً، بل مؤشر على تحول عميق في طبيعة الصراع داخل الحزب.
فبدل التنافس حول البرامج والتصورات، يتقدم النقاش حول الشرعية والتموقع، وهو ما يعكس، في العمق، أزمة أوسع يعيشها اليسار المغربي، حيث تتقاطع إشكالية القيادة مع محدودية القدرة على تجديد الخطاب.
في هذا السياق، لا يبدو أن الرهان الحقيقي يكمن في حسم الصراع بين هذا التيار أو ذاك، بقدر ما يتعلق بقدرة الحزب على إعادة توجيه بوصلته: من إدارة الخلاف إلى إنتاج المعنى، ومن حماية المواقع إلى استعادة الدور. فالتنظيم الذي يضيق باختلافه، يفقد تدريجياً قدرته على التأثير خارج حدوده.
بين شرعية المسطرة وضرورة الانفتاح، يقف “بيت الشمعة” أمام اختبار حقيقي.
ليس المطلوب فقط ضبط الإيقاع الداخلي، بل إعادة طرح السؤال المؤجل: أي يسار نريد؟ يسار يكتفي بتدبير ذاته، أم يسار يعيد وصل السياسة بالمجتمع؟ لأن الجواب عن هذا السؤال هو ما سيحدد إن كانت الشمعة ستستمر في الإضاءة… أم ستنطفئ بهدوء داخل أسوارها.
