بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد تصنيف المغرب ضمن فئة “حر جزئياً” لعام 2026 مجرد رقم تقني يُضاف إلى أرشيف المؤشرات الدولية، بل أصبح قراءة نقدية لنموذج سياسي مركّب يتقن بناء الواجهات المؤسساتية ويطرح تساؤلات حول عمق الممارسة الديمقراطية. نحن أمام حالة من “الجمود الديمقراطي”، تُنظم فيها الانتخابات كآلية دورية لتجديد النخب وتأثيث المشهد، بينما تظل مراكز القرار الاستراتيجي مؤطرة ضمن نطاق “الصلاحيات السيادية” التي لا ترتبط بشكل مباشر بصناديق الاقتراع.
إن الفجوة بين “الشكل المؤسساتي” و“الوظيفة الفعلية” اتسعت بشكل لافت؛ فبينما يتحدث الخطاب الرسمي عن التعددية، توحي مؤشرات الواقع بأن أدوار الأحزاب تظل في كثير من الأحيان محصورة في تدبير الهوامش، في حين تحتفظ المؤسسة الملكية بدور مركزي في رسم السياسات العامة وتعيين كبار المسؤولين، وهو ما يحد من هامش التأثير لدى المؤسسات المنتخبة.
هذا الاختلال البنيوي يمتد ليطرح تساؤلات حول شروط التنافس، حيث يبرز التقرير إشكالية “تكافؤ الفرص” في ظل تأثير المال السياسي، وتنظيم الفضاء العمومي، وبعض القيود القانونية التي تؤثر على اشتغال الفاعلين السياسيين.
وفي هذا السياق، تبدو العملية الانتخابية في بعض جوانبها أقرب إلى آلية لتنظيم التوازنات القائمة منها إلى لحظة حاسمة لإعادة تشكيل المشهد السياسي، مما يفرز “ديمقراطية إجرائية” ذات أثر محدود، ومؤسسات تواجه تحديات على مستوى الفعالية والتمثيلية.
وعلى مستوى الحريات، يرسم التقرير صورة مزدوجة؛ إذ يقر بوجود هامش للتعبير والعمل الإعلامي، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى وجود قيود قانونية وممارسات تثير نقاشاً حول حدود هذا الهامش، خاصة في القضايا ذات الحساسية السياسية.
كما أن بعض المتابعات المرتبطة بقضايا “الحق العام” تطرح تساؤلات لدى الفاعلين حول تأثيرها على مناخ حرية التعبير، وهو ما قد ينعكس على حيوية النقاش العمومي.
وتنسحب هذه الازدواجية أيضاً على حرية التنظيم والتجمع، حيث يتيح الإطار القانوني تأسيس الجمعيات، غير أن الممارسة على الأرض قد تواجه أحياناً تحديات مرتبطة بالإجراءات أو بحدود الترخيص، خاصة عندما تتقاطع الأنشطة مع قضايا ذات طابع سياسي أو حقوقي.
كما أن بعض الاحتجاجات الاجتماعية، رغم حضورها، قد تخضع لتدبير تنظيمي أو أمني يؤثر على مدى استمراريتها وتأثيرها.
وفي ما يتعلق بسيادة القانون، يسلط التقرير الضوء على مسألة استقلال القضاء، حيث يشير إلى وجود مؤسسات قضائية قائمة، مع تسجيل ملاحظات حول مستوى استقلاليتها في بعض القضايا، خصوصاً تلك التي تحمل أبعاداً سياسية أو إعلامية.
وهو ما يعزز النقاش حول ضرورة ترسيخ ضمانات المحاكمة العادلة وتكافؤ الأطراف، بما يدعم الثقة في العدالة ويعزز الإحساس بالأمن القانوني لدى المواطنين.
إن بقاء المغرب ضمن هذه “المنطقة الرمادية” لا يعكس فقط توازناً قائماً، بل يطرح أيضاً سؤال الخيارات الإصلاحية الممكنة في المستقبل.
فبين منطق تدبير التوازنات، ومنطق توسيع هامش المشاركة الفعلية، يظل الرهان الأساسي مرتبطاً بمدى القدرة على تعزيز استقلال المؤسسات وتوسيع مجال الحريات.
إن الاستمرار في إطالة أمد هذه “المنطقة الرمادية” لم يعد ترفاً سياسياً، بل بات يطرح كلفة متزايدة على مستوى الثقة المجتمعية؛ فالمواطن الذي لا يرى أثراً لصوته في التأثير على السياسات الكبرى، قد يجد نفسه مدفوعاً نحو العزوف أو البحث عن أشكال تعبير خارج الأطر المؤسساتية، وهو ما يجعل إصلاح “الجوهر” ضرورة للاستقرار الفعلي، وليس مجرد مطلب حقوقي.
لأن الديمقراطية التي لا تترجم إلى قدرة حقيقية للمواطن على التأثير في القرار العمومي، تظل محدودة الأثر، مهما بدت مكتملة من حيث الشكل.
