بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد الجدل حول التعليم الخصوصي في المغرب مجرد نقاش موسمي يتجدد مع كل دخول مدرسي، بل تحول إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على ترجمة القوانين إلى توازن فعلي داخل سوق حساس يمسّ أحد أكثر الحقوق ارتباطاً بمستقبل الأسر. فبينما يصادق البرلمان على نصوص تهدف إلى تنظيم العلاقة التعاقدية، تتجه المؤشرات الميدانية إلى منحى مغاير، عنوانه الأبرز: ارتفاع متواصل في كلفة التمدرس يثقل كاهل الأسر.
إن الكشف عن زيادات مرتقبة تتراوح بين 300 و1000 درهم لا يمكن اختزاله في مجرد “تعديل تقني” تمليه الكلفة، بل يطرح تساؤلات مشروعة حول حدود التسعير في قطاع يفترض أن يوازن بين الاستثمار والوظيفة الاجتماعية.
نحن أمام واقع يعيد طرح مسألة تكافؤ الفرص؛ حيث تصبح جودة التعليم مرتبطة بشكل متزايد بالقدرة المالية، في ظل توسع عرض خصوصي متفاوت من حيث الكلفة والجودة، ما يعمق الفوارق بدل تقليصها.
وهي زيادات تطرح علامات استفهام أخلاقية؛ فبينما تستهلك هذه المؤسسات جزءاً متزايداً من ميزانيات الأسر، يظل عدد من الأساتذة داخل بعض هذه المنشآت يعيشون أوضاعاً مهنية هشة، ولا ينعكس عليهم هذا الرواج إلا بشكل محدود، مما يطرح تساؤلات حول توازن العلاقة داخل المنظومة التربوية، سواء على مستوى الأسر أو الموارد البشرية.
وفي هذا السياق، يطرح سؤال المسؤوليات نفسه بإلحاح: أين يقف دور مجلس المنافسة في تتبع ديناميات السوق، خاصة في ما يتعلق بتقارب الأسعار داخل نفس المجالات الحضرية؟ وأين دور وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة في إرساء آليات تنظيمية أكثر وضوحاً، تربط بين كلفة التمدرس ومستوى الخدمات والتجهيزات؟
إن الحديث عن “حرية الاختيار” في هذا السياق يظل نسبياً؛ فالأسر لا تتحرك داخل سوق تقليدي مفتوح، بل ضمن معادلة معقدة تتداخل فيها اعتبارات الاستقرار النفسي والتربوي للطفل مع الإمكانيات المادية، وهو ما يجعل هامش الاختيار الفعلي محدوداً في كثير من الحالات.
إن ما يجري اليوم يعيد طرح سؤال جوهري حول مدى انسجام هذه التحولات مع روح الدستور، الذي يقر التعليم كحق أساسي، وليس كخدمة مشروطة بالقدرة المالية.
فحين يتزامن صدور نصوص تنظيمية مع ارتفاع ملحوظ في الرسوم، يصبح السؤال مشروعاً: هل يتعلق الأمر بمرحلة انتقالية يعيد فيها السوق ترتيب توازناته، أم أننا أمام حدود فعلية لآليات الضبط؟
إن تجاوز هذا المأزق لا يمر فقط عبر الرقابة الإدارية، بل يتطلب إعادة الاعتبار للمدرسة العمومية كخيار أول لضمان العدالة المجالية والاجتماعية.
فما دام التعليم الخصوصي يُنظر إليه كـ“هروب اضطراري” وليس كـ“اختيار تكميلي”، ستظل الأسر المغربية عرضة لتقلبات سوق تتداخل فيه اعتبارات الكلفة والجودة.
كما أن الرهان الحقيقي اليوم يتمثل في جعل جودة التعليم استحقاقاً مواطناتياً فعلياً، يضمنه الدستور وتفعّله السياسات العمومية، لا أن يتحول إلى امتياز مرتبط بالقدرة المالية.
في المحصلة، يبدو أن الرهان لم يعد محصوراً في سنّ القوانين، بل في قدرتها على تحقيق توازن دقيق بين تشجيع الاستثمار وضمان العدالة في الولوج.
فبدون آليات واضحة للربط بين الكلفة والجودة، وبدون أدوات فعالة للمراقبة، يظل السؤال معلقاً بإلحاح: إلى أي حد تستطيع الدولة الحفاظ على دورها كضامن للحق في التعليم في سياق يتقدم فيه منطق السوق بخطى متسارعة، وأحياناً على حساب روح الحق نفسه؟
