بقلم: الباز عبدالإله
لا تزال قضية المساواة أمام القانون تشكل أحد الأعصاب الحساسة في منظومة العدالة بالمغرب، وهو ما أعادت تدوينة المحامي رشيد آيت بلعربي تسليط الضوء عليه مؤخراً، حين شدد على أن من أهم مرتكزات الثقة في القضاء وضمان المحاكمة العادلة، اعتبار المواطنين متساوين أمام القانون وأمام القضاء، وفق ما ينص عليه الفصل السادس من الدستور المغربي، والفصل 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وينطلق هذا النقاش من مرجعيات صلبة، لا تقدم المساواة كخيار، بل كالتزام مؤسساتي.
غير أن الإشكال، كما يفهم من مضمون التدوينة، لا يرتبط بوجود النصوص في حد ذاتها، بقدر ما يرتبط بمدى الإحساس الفعلي بتطبيقها على أرض الواقع.
فالثقة، في هذا السياق، لا تُبنى بالحبر وحده، بل بإحساس المواطن بأنه يُعامل بذات المعايير، بعيداً عن أي تمييز أو انتقائية.
وفي هذا الإطار، نبّه آيت بلعربي إلى أن غياب هذا المبدأ يفتح الباب أمام إحساس متزايد بالتمييز والظلم و”الحگرة” والدونية، وهي مشاعر تحل محل الثقة في القضاء، وتمس بصورة مباشرة بمدى احترام قراراته وأحكامه، بل وحتى بقدرته على تحقيق العدالة.
إن من أبرز التحديات التي تواجه منظومة العدالة اليوم، ذلك الربط المتنامي بين المساواة كقيمة قانونية، و”الحگرة” كإحساس اجتماعي معاكس لها.
فحين يترسخ لدى فئات من المجتمع انطباع بوجود نوع من الانتقائية في تطبيق القانون، تفقد الأحكام جزءاً من هيبتها المعنوية، وتصبح عرضة للتشكيك داخل الرأي العام.
ولا يقف أثر هذا الإحساس عند البعد الرمزي فقط، بل يمتد ليطال ما يمكن تسميته بـ“الأمن القضائي”، باعتباره شرطاً أساسياً لاستقرار المعاملات الاقتصادية والاجتماعية. فحين يفقد المواطن أو المستثمر القدرة على توقع الأحكام بسبب هذا الشعور، يدخل منطق “عدم اليقين” إلى المجال القانوني، وهو ما ينعكس سلباً على الثقة في المؤسسات وعلى دينامية الاستثمار.
كما يطرح هذا النقاش تمييزاً ضرورياً بين “مساواة النصوص” و“مساواة الإمكانيات”، إذ إن تكافؤ المواطنين أمام القضاء لا يكتمل إلا بتكافؤ فرص الدفاع والولوج إلى المعلومة القانونية.
وهو ما يعيد إلى الواجهة إشكالية المساعدة القضائية، وحدود قدرة المواطن البسيط على مجاراة طرف يملك إمكانيات مادية ومعرفية أكبر.
وفي بعد آخر، يرتبط تكريس المساواة أمام القانون بدور القضاء في “تخليق” الحياة العامة، باعتبارها مدخلاً أساسياً لمحاربة الفساد.
فـ“الحگرة” لا تنشأ في الفراغ، بل تتغذى في البيئات التي يسود فيها الاعتقاد بأن بعض الأطراف توجد عملياً “فوق القانون”، بفعل النفوذ أو شبكة العلاقات.
وفي هذا السياق، يبدو أن الخطاب الرسمي حول المساواة يفقد جزءاً من أثره حين تصطدم مضامينه بصور مغايرة في الواقع، وهو ما يعيد طرح سؤال الفجوة بين الوعود المؤسساتية والممارسة اليومية.
كما أن تقارير مؤسساتية متعددة، من بينها تقارير المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، باتت تؤكد بدورها على أهمية “تخليق منظومة العدالة” كمدخل أساسي لتعزيز الثقة.
إن معالجة معضلة “الحگرة” داخل ردهات المحاكم لا تتطلب ثورة في التشريع بقدر ما تتطلب تحولاً في المقاربة، حيث يصبح القاضي حارساً ليس فقط للنص، بل لروح الإنصاف.
فالثقة لا تُستعاد بالخطابات، بل بممارسات وقرارات تكرس فعلياً مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتؤكد أن ميزان العدالة لا يميل بوزن النفوذ أو الجاه، بل بوزن الحجة والدليل.
ويظل الرهان قائماً على مدى قدرة المؤسسات على ترجمة هذا المبدأ إلى ممارسة يومية ملموسة، بما يعيد ترسيخ الشعور بالإنصاف، ويعزز الثقة في القضاء كضامن أساسي للعدالة، ويكرس فكرة أن الجميع، دون استثناء، سواسية أمام القانون.
