بقلم: الباز عبدالإله
لم يكن حديث عبد الإله ابن كيران هذه المرة مجرد استعادة لأسلوبه الخطابي المعروف، بل بدا أقرب إلى محاولة واعية لإعادة صياغة موقع حزب العدالة والتنمية داخل مشهد سياسي متغير.
فالرجل، الذي اختار نبرة هادئة ظاهرياً، كان في العمق يبعث برسائل سياسية دقيقة، تتجاوز اللحظة التنظيمية إلى سؤال أعمق يتعلق بمستقبل الحزب ومعناه.
بنكيران، الذي كان يتحدث خلال اجتماع الأمانة العامة لحزبه أمس السبت، لم يكتفِ باستعادة لغته الخطابية المعتادة، بل قدّم مرافعة سياسية واضحة أعاد من خلالها ترتيب أولويات الحزب في مرحلة ما بعد التراجع الانتخابي.
فبدل الانخراط في خطاب هجومي مباشر أو تقديم عرض برامجي تفصيلي، اختار أن يعيد النقاش إلى نقطة يعتبرها حاسمة: الأخلاق كمدخل لإعادة البناء.
في هذا السياق، بدا واضحاً أن الرجل يشتغل على إعادة تأسيس الشرعية السياسية للحزب من خارج أدوات النفوذ التقليدية.
فهو يقرّ، بشكل ضمني، بأن العدالة والتنمية لم يعد يمتلك نفس الوزن المؤسساتي ولا نفس القدرة على التأثير التي كان يتمتع بها سابقاً، لكنه في المقابل يسعى إلى تثبيت صورة تنظيم “مختلف”، يستمد مشروعيته من سمعته ومن تموقعه الأخلاقي داخل الحقل الحزبي.
هذا الاختيار ليس معزولاً عن السياق، بل يعكس قراءة دقيقة لمرحلة ما بعد السقوط الانتخابي. فابن كيران يدرك أن استعادة الموقع السياسي لا تمر فقط عبر البرامج أو التحالفات، بل تبدأ أولاً بإعادة بناء الثقة، سواء داخل الحزب أو لدى الرأي العام.
لذلك، لم يكن حديثه موجهاً إلى الخارج بقدر ما كان موجهاً إلى القاعدة الحزبية نفسها، في محاولة لإعادة شحنها نفسياً وتنظيمياً.
ومن هنا، يمكن فهم إلحاحه على السلوك الفردي لأعضاء الحزب، وعلى ضرورة “تقوى الله” في تفاصيل الحياة اليومية، من العمل إلى العلاقات الاجتماعية، وصولاً إلى الالتزام داخل التنظيم.
فهذه الدعوة، وإن بدت في ظاهرها وعظية، تحمل في عمقها بعداً سياسياً واضحاً: إعادة الانضباط الداخلي كشرط لأي عودة محتملة. بمعنى آخر، ابن كيران لا يراهن فقط على الخطاب، بل على صورة الحزب كما تُرى في الواقع اليومي.
وفي مقابل هذا التركيز على الأخلاق، يعيد الرجل إنتاج سردية سياسية قديمة تقوم على فكرة التمايز.
فحين يشير إلى أن حزبه لا يمتلك المال ولا يحظى بدعم جهات نافذة، فهو لا يكتفي بوصف وضع تنظيمي، بل يعيد تقديم الحزب كـ“استثناء” داخل مشهد سياسي تحكمه، في نظره، اعتبارات القوة والموارد.
وهي سردية تهدف إلى إعادة ربط الحزب بجمهوره التقليدي، الذي كان يرى فيه بديلاً أخلاقياً قبل أن يراه فاعلاً حكومياً.
غير أن ما يلفت في هذا الخطاب هو أنه يراهن على إعادة بناء المعنى أكثر مما يراهن على تقديم عرض سياسي متكامل. فلا نجد فيه تصوراً تفصيلياً لكيفية معالجة الاختلالات الاقتصادية أو الاجتماعية، بقدر ما نجد محاولة لإحياء الرابط الرمزي بين الحزب وقاعدته.
وهو ما يطرح، في المقابل، سؤالاً مشروعاً: هل يكفي الرأسمال الأخلاقي وحده لاستعادة موقع متقدم داخل مشهد سياسي تزداد فيه تعقيدات التدبير العمومي، وتنتظر فيه فئات واسعة أجوبة ملموسة؟
رغم ذلك، لا يمكن إغفال البعد الاستراتيجي في هذه المقاربة. فالإشارة إلى انطلاق مسار اختيار المرشحين بطريقة توصف بالديمقراطية تكشف أن الحزب دخل فعلياً مرحلة التحضير للاستحقاقات المقبلة، لكن بمنطق مختلف؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بانتقاء الأسماء، بل بإعادة ضبط المعايير التي يُفترض أن تؤطر هذه الاختيارات، وفي مقدمتها الصورة الأخلاقية للمرشح وقدرته على تمثيل الحزب مجتمعياً.
كما يحمل الخطاب، في طياته، نقداً ضمنياً للحياة السياسية في المغرب، دون السقوط في المواجهة المباشرة.
فالإشارات إلى المال، وإلى القنوات المؤثرة، وإلى غياب “الأخلاق” في الممارسة السياسية، تعكس موقفاً ينتقد اختلالات المشهد دون أن يسميها بشكل صريح، وهي طريقة معتادة في خطاب ابن كيران، تسمح له بتوجيه رسائل قوية مع الحفاظ على هامش من التوازن السياسي.
يبدو أن ابن كيران اختار أن يبدأ من الأساس: إعادة بناء صورة الحزب قبل السعي إلى استعادة موقعه.
إنها مقاربة تقوم على ترميم الثقة قبل البحث عن الأصوات، وعلى تثبيت المعنى قبل مطاردة السلطة.
غير أن هذا الرهان، رغم وجاهته في بعدها التنظيمي، يظل مفتوحاً على اختبار صعب: هل يمكن لحزب أن يعود إلى قلب المشهد السياسي من بوابة الأخلاق وحدها، أم أن المرحلة المقبلة ستفرض عليه الانتقال من خطاب القيم إلى تقديم بدائل ملموسة تقنع الناخبين وتستجيب لتعقيدات الواقع؟
