بقلم: الباز عبدالإله
في زمنٍ أصبحت فيه الشفافية معياراً مركزياً في تقييم النماذج السياسية، لم يعد النقاش حول تدبير المال العام يقتصر على السياسات الاجتماعية أو الخيارات الاقتصادية الكبرى، بل امتدّ ليشمل مجالات كانت، إلى وقت قريب، تُصنّف ضمن “الفضاءات المغلقة”. وفي قلب هذا التحول، يبرز ملف ميزانية القصور الملكية كأحد المواضيع التي تضع المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات أمام اختبار عملي يرتبط بمدى اتساع مجاله وتطبيقه.
فبينما يؤكد الخطاب المؤسساتي على مبادئ “دولة المؤسسات” و“ربط المسؤولية بالمحاسبة”، يُدرج بند “القصر الملكي” ضمن قانون المالية بصيغة إجمالية، دون تفصيل واسع يسمح بتتبع كلفة كل منشأة أو طبيعة النفقات المرتبطة بها. وهو ما يطرح، بهدوء، سؤالاً مشروعاً حول حدود تفعيل الحق في المعلومة عندما يتعلق الأمر بمجالات ذات طابع خاص.
في تجارب ملكية أوروبية، كما هو الحال في أو ، يُنظر إلى إدراج نفقات القصور ضمن وثائق الميزانية المفصلة كجزء من آليات التدبير العمومي، دون أن يُفهم ذلك بالضرورة كمساس بالرمزية، بل كترجمة لتوازن دقيق بين المؤسسة والرقابة.
أما في السياق المغربي، فيبدو أن المعطيات المرتبطة بهذا المجال تُقدَّم ضمن إطار أكثر تحفظاً، يستند إلى اعتبارات ترتبط بطبيعة المؤسسة ووظيفتها.
هذا الوضع ساهم في بروز مقاربات بحثية بديلة، اعتمدت على أدوات التحليل الجغرافي وصور الأقمار الصناعية لرصد بعض المؤشرات المرتبطة بالانتشار المجالي للقصور والإقامات الملكية.
غير أن أهمية هذه المقاربات لا تكمن فقط في نتائجها، بل في كونها تعكس تحوّلاً في طرق إنتاج المعرفة، حيث لم تعد المعلومة حكراً على القنوات الرسمية وحدها.
ومع ذلك، فإن هذا التحول الرقمي لا يُلغي الإشكال المؤسساتي المرتبط بطبيعة المعطيات المتاحة. فإمكانية رصد البنيات العمرانية عبر الوسائط المفتوحة لا تعوّض الحاجة إلى معطيات مالية دقيقة ومفصلة، كما أن التحليل الخارجي، مهما بلغ من الدقة، يظل محدوداً دون سند رسمي واضح.
وهنا يتحدد جوهر النقاش: ليس فقط في ما يمكن الوصول إليه، بل في ما يُتاح تداوله داخل الأطر القانونية والمؤسساتية.
في سياقٍ تتصدر فيه قضايا التعليم والصحة والنموذج التنموي واجهة النقاش العمومي، يصبح أي حديث عن توزيع الموارد العمومية جزءاً من سؤال أوسع يتعلق بكيفية تحديد الأولويات ومعاييرها.
وهو نقاش لا يستهدف المقارنة بقدر ما يسعى إلى فهم التوازنات التي تؤطر السياسات العمومية في سياقها الخاص.
في المحصلة، لا يتعلق النقاش بمدى وجود النص القانوني، بقدر ما يرتبط بمدى اتساع مجاله عند التطبيق.
ففعالية تظل رهينة بقدرته على مواكبة التحولات الرقمية وتزايد الطلب المجتمعي على الشفافية، في إطار يوازن بين متطلبات الحكامة وخصوصية بعض المجالات.
سؤال مفتوح يظل مطروحاً: هل يتجه الحق في المعلومة نحو مزيد من الاتساع التدريجي، أم أنه سيستمر في الاشتغال داخل حدود مرسومة سلفاً؟
يتبع…
