بقلم: الباز عبدالإله
في وقت تدخل فيه الإدارة الترابية المغربية مرحلة حاسمة من الترتيبات اللوجستية لاستحقاقات سبتمبر 2026، وبقدر ما تنشغل الأوساط السياسية بالأجندات الانتخابية، يطفو من قلب “أم الوزارات” حدث سوسيومهني لافت: تأسيس “التنسيقية الوطنية لموظفي وزارة الداخلية”.
هذه الخطوة، وإن صيغ بيانها التأسيسي بلغة “المسؤولية” و”الرزانة المؤسساتية”، إلا أنها تعكس تحوّلاً لافتاً في منسوب التعبير المهني داخل قطاع ظل لسنوات محكوماً بمنطق التحفظ، وتطرح في العمق سؤال نجاعة قنوات الوساطة التقليدية في استيعاب انتظارات الشغيلة الإدارية.
إن المحرك الأساسي لهذه الولادة التنظيمية ليس مجرد رغبة عابرة في التكتل، بل هو شعور متنامٍ بوجود اختلال في التوازن المهني في تدبير الموارد البشرية داخل القطاع.
فقد تابعت الشغيلة الإدارية بكثير من الانتباه كيف تسارعت وتيرة تحسين تعويضات بعض فئات رجال السلطة من قياد وباشاوات، إلى جانب مراجعة الوضعية المادية لأعوان السلطة (المقدمين والشيوخ)، في سياق مرتبط بتعزيز الجاهزية الميدانية. وهي معطيات تم تداولها في عدد من المنابر الإعلامية، وأعادت طرح سؤال التوازن في السياسات الأجرية داخل القطاع.
في المقابل، يرى عدد من الموظفين المدنيين (المتصرفون، التقنيون، والمحررون) أن وتيرة تحسين أوضاعهم ظلت محدودة، ولا تعكس حجم الأدوار الإدارية والتقنية التي يضطلعون بها داخل المنظومة.
تكمن دلالة تحرك التنسيقية في إعادة طرح سؤال التوازن داخل نفس الفضاء المهني؛ فمن غير المألوف أن يشتغل الموظف المدني إلى جانب رجل السلطة في نفس البنية الإدارية، بل ويساهم في تدبير ملفات تقنية وإدارية معقدة، بينما تستمر الفوارق على مستوى التعويضات وبعض الامتيازات المرتبطة بالمهام.
هذا المعطى أعاد إلى الواجهة مطلب “النظام الأساسي” ليس فقط كإطار تنظيمي، بل كمدخل لإعادة ترتيب المسار المهني على أسس أكثر وضوحاً وتوازناً.
ولا يمكن فصل هذه المطالب عن التحول الرقمي المتسارع الذي تعرفه الإدارة الترابية خلال سنة 2026، سواء على مستوى السجل الاجتماعي الموحد، أو منصات الدعم، أو رقمنة العمليات المرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية.
وهي أوراش تقنية كبرى يتحمل الموظف المدني جزءاً أساسياً من عبئها التنفيذي، ما يجعل النقاش حول وضعيته المهنية والمادية مرتبطاً أيضاً بمتطلبات هذا التحول، وليس فقط بسؤال التعويضات في حد ذاته.
وفي سياق متصل، تطرح بعض الأوساط المهنية بشكل متزايد مسألة جاذبية القطاع، في ظل مؤشرات على انتقال بعض الكفاءات نحو قطاعات ومؤسسات عمومية أخرى توفر شروطاً مهنية أكثر تحفيزاً، وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة الإدارة على الحفاظ على أطرها المجربة في المدى المتوسط.
إن تشديد التنسيقية على استقلاليتها عن أي انتماء سياسي أو نقابي يعكس وعياً بطبيعة السياق الذي تشتغل فيه، كما يضع النقاش في إطاره المهني الخالص، بعيداً عن التأويلات.
وفي الآن ذاته، يبرز هذا المعطى تحوّلاً في أنماط التعبير داخل الإدارة، حيث لم يعد الرهان مقتصراً على المطالب المادية، بل يشمل أيضاً السعي نحو ترسيخ علاقة مهنية قائمة على وضوح الحقوق والواجبات داخل المؤسسة.
غير أن ما يضفي على هذا النقاش طابعه الاستراتيجي، هو كونه لا يرتبط فقط بملف فئوي محدود، بل يمسّ في العمق بنية الأداء الإداري داخل وزارة تضطلع بأدوار محورية في تدبير الشأن الترابي وضمان استمرارية المرفق العام.
فالإدارة، في نهاية المطاف، ليست مجرد هياكل تنظيمية، بل هي رأسمال بشري تتوقف عليه جودة القرار العمومي وفعاليته.
وفي هذا الإطار، يبرز التحدي الحقيقي في كيفية تحقيق توازن دقيق بين خصوصية القطاع، التي تفرضها اعتبارات التنظيم والنجاعة، وبين متطلبات الإنصاف المهني التي تشكل أحد شروط الاستقرار الإداري.
وهو توازن لا يمكن بلوغه فقط عبر حلول جزئية، بل يستدعي رؤية شمولية تعيد الاعتبار لدور مختلف الفئات داخل المنظومة، وتؤسس لمنطق تكاملي بدل منطق التفاوت.
وفي انتظار مآل هذا المسار، يبقى الرهان معلقاً على النظام الأساسي المرتقب: هل سيكون مدخلاً لإعادة التوازن المهني داخل القطاع في إطار إصلاح هادئ يستجيب لانتظارات الشغيلة، أم أنه سيقتصر على تعديلات تقنية محدودة قد لا تكون كافية لاحتواء منسوب التوتر المتصاعد؟
