بقلم: الباز عبدالإله
لم تعد الزيادات المتتالية في أسعار المحروقات بالمغرب مجرد أرقام تُضاف إلى لوائح الأسعار داخل محطات الوقود، بل تحوّلت إلى مؤشّر ضغط اقتصادي يعيد تشكيل ملامح القدرة الشرائية للمغاربة.
فبينما تتحدث الأرقام الرسمية بثقة عن مخزون وطني يغطي أزيد من خمسين يوماً، يكتشف المواطن أن “الأمان الطاقي” لا يعني بالضرورة “الأمان المعيشي”، وأن امتلاء الخزانات لا يمنع استمرار نزيف الجيوب بمنطق تسعير يبدو منفصلاً عن واقع ذلك المخزون.
إن الجرأة تقتضي طرح الأسئلة كما هي: فالنقاش حول المحروقات لم يعد تقنياً صرفاً، بل أصبح مرتبطاً بصورة القرار العمومي نفسه.
فحين تضيق المسافة إلى حدّ “الصفر” بين السلطة والسوق، يطفو إلى السطح انطباع بوجود تقاطع في المصالح، أو على الأقل غياب مسافة كافية تضمن الطمأنينة المطلوبة لدى الرأي العام.
هذا الإحساس يتعزز في ظل محدودية النقاش العمومي حول آليات التسعير وهوامش الربح، حيث تبدو المؤسسات المعنية، وعلى رأسها مجلس المنافسة، وكأنها تتحرك داخل هامش تقني ضيق، لا يعكس حجم التساؤلات المطروحة في الشارع.
وبين لغة التقارير الرسمية ووقع الأسعار في الحياة اليومية، تتسع فجوة الفهم… وتتراجع الثقة.
وفي مقابل هذا الضغط، يبرز معطى آخر لا يقل أهمية: فبينما يكتوي المواطن بارتفاع الأسعار، تستفيد المالية العمومية بشكل غير مباشر من هذا المنحى، عبر الضرائب المفروضة على الاستهلاك والقيمة المضافة، والتي ترتفع مداخيلها كلما ارتفعت الأسعار.
هذا الواقع يطرح سؤالاً مشروعاً حول جدوى اعتماد آليات ضريبية أكثر مرونة، تسمح بتخفيف العبء تلقائياً في فترات الذروة، بدل ترك الأثر كاملاً على القدرة الشرائية.
كما يعيد هذا النقاش إلى الواجهة تقارير مؤسساتية سابقة أثارت جدلاً واسعاً حول مستويات أرباح مرتفعة داخل القطاع، في سياق اعتبره متابعون بعيداً عن شروط المنافسة الكاملة.
ورغم مرور الزمن، لا يزال هذا الملف حاضراً في الذاكرة الجماعية، باعتباره أحد مفاتيح فهم اختلال توازن السوق.
الحقيقة التي تفرض نفسها هي أننا أمام نموذج يمكن وصفه بـ“ليبرالية انتقائية”: تُترك فيه الأسعار لقواعد السوق حين يتعلق الأمر بالمستهلك، بينما يتم التدخل لحماية توازنات قطاعات محددة عند الضرورة.
فالدعم الذي وُجّه للنقل المهني، رغم أهميته، يطرح تساؤلات حول نطاقه الاجتماعي، في ظل غياب دعم مباشر للفئات الأكثر تضرراً من ارتفاع الأسعار.
وإذا كان مبرر “تقلبات السوق الدولية” يظل حاضراً في الخطاب الرسمي، فإن تجارب دول أخرى، لا تمتلك بدورها موارد طاقية، أبانت عن قدرة أكبر على حماية مواطنيها عبر تدخلات هيكلية وتوازنات مدروسة، تتجاوز منطق المعالجة الظرفية.
وهنا يتحول المازوط من مجرد مادة طاقية إلى عنصر مركزي في معادلة الغلاء.
فكل زيادة فيه لا تبقى حبيسة محطات الوقود، بل تمتد إلى كلفة النقل والإنتاج والتوزيع، لتنعكس في النهاية على أسعار الغذاء والخدمات، في سلسلة تضخم لا يجد المواطن سبيلاً إلى تفاديها.
إن الاستمرار في تغليب منطق التوازنات الاقتصادية الضيقة على متطلبات السلم الاجتماعي، لا يمكن اعتباره مجرد خيار تقني، بل يحمل في طياته أبعاداً سياسية عميقة. فالإحساس بالضغط داخل الحياة اليومية، حين يتكرر ويتراكم، قد يتحول إلى مؤشر على اختلال في العلاقة بين المواطن ومحيطه الاقتصادي.
وبين خطاب الطمأنة المرتبط بالأرقام، وواقع يومي يتسم بارتفاع مستمر في كلفة العيش، يظل السؤال قائماً:
هل نحن أمام دولة تدبّر سوقاً لخدمة مواطنيها… أم أمام سوق يفرض منطقه على الدولة ويعيد ترتيب أولوياتها؟
