بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد ينفع التلطي خلف أرقام الميزانيات المليارية لتبرير محدودية النتائج، فتقرير صندوق النقد الدولي الأخير جاء ليفكك صورة الوعود الحكومية ويواجه صانع القرار بمعطيات دقيقة: المغرب لا يعاني من فقر في الموارد، بل من تحديات في كفاءة التدبير.
فعندما يؤكد التقرير أن بإمكاننا ربح 27% من جودة الصحة و37% من مردودية التعليم “بصفر درهم” إضافي، فهو لا يقدم فقط ملاحظات تقنية، بل يسلط الضوء على اختلالات عميقة داخل منظومة تصرف موارد كبيرة دون أثر ملموس بالقدر الكافي.
إن بلوغ الإنفاق المباشر للأسر على صحتها لنسبة 43% ليس مجرد رقم إحصائي، بل مؤشر مقلق يطرح تساؤلات حول نجاعة سياسات الحماية الاجتماعية؛ فالمواطن المغربي يجد نفسه اليوم أمام عبء مزدوج: مرة عبر الضرائب لتمويل المنظومة العمومية، ومرة ثانية من جيبه الخاص لتأمين العلاج.
هذه المفارقة تعكس فجوة قائمة بين الطموحات المعلنة والواقع المعيش، وتبرز ملامح منظومة صحية بسرعتين.
وفي التعليم، تبدو الحاجة ملحة لإعادة تقييم منطق التعميم؛ إذ رغم التقدم في توسيع الولوج، لا تزال مؤشرات التحصيل العلمي دون التطلعات.
تقارير التقييم الدولي التي تضع التلميذ المغربي في مراتب متأخرة تؤكد أن التحدي لم يعد في الولوج فقط، بل في جودة التعلمات، في ظل استمرار اختلالات مرتبطة بالمناهج، وتكوين الأطر، ونجاعة البرامج الإصلاحية، وهو ما يطرح إشكالات حقيقية حول مستقبل الرأسمال البشري.
الأدهى من ذلك، هو محدودية تنفيذ الاستثمارات، حيث تظل نسبة مهمة من الميزانيات المبرمجة دون إنجاز فعلي؛ فنحن أمام وضع يعكس صعوبات في تحويل الموارد إلى مشاريع على أرض الواقع.
هذا ليس فقط تعقيداً مسطرياً، بل مؤشر على تحديات في الفعالية التدبيرية، حيث يؤدي بطء الإجراءات إلى تأجيل مشاريع حيوية في عدد من المناطق.
إن الاستمرار في ضخ الموارد دون تحسين الحكامة يطرح مخاطر هدر فرص تنموية مهمة، ويؤكد أن أي زيادة في الميزانية تظل محدودة الأثر ما لم تُواكب بإصلاحات عميقة في التدبير. فالتحدي اليوم لا يكمن في تعبئة موارد إضافية، بل في تحسين طرق صرفها وربطها بنتائج قابلة للقياس.
إن المغرب لا يحتاج فقط إلى ميزانيات أكبر، بل إلى تحول نوعي في الحكامة، يقوم على تعزيز آليات التتبع والتقييم وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فبدون ذلك، ستظل تقارير المؤسسات الدولية مجرد مؤشرات تعكس صعوبة تحويل الموارد إلى أثر ملموس في حياة المواطنين، سواء في الصحة أو التعليم أو القدرة الشرائية.
