بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد خافياً على أحد أن شعار “صنع بالمغرب” يعيش اليوم اختباراً عسيراً، ليس بسبب المنافسة الخارجية، بل بسبب “طعنات” من الداخل؛ إذ كشفت مصادر إعلامية أن المعطيات المتداولة من كواليس وزارة الصناعة والتجارة تفيد بأن مبادرة تثمين الموارد المعدنية، وتحديداً النحاس والألومنيوم، انحرفت عن سكتها لتتحول إلى عملية “تصدير مقنّع” للمواد، في ضربة موجعة لرهانات السيادة الصناعية التي يروج لها الخطاب الرسمي.
إن الاجتماع “الساخن” الذي شهدته ردهات الوزارة مؤخراً لم يكن مجرد نقاش تقني بارد، بل كان مواجهة مكشوفة بين منطق “الربح السريع” ومنطق “الدولة”، حيث كشفت لغة الأرقام حقيقة مرة: وحدات تدوير المتلاشيات التي استفاد بعضها من دعم وامتيازات سخية تحت يافطة تغذية صناعة السيارات و”الكابلاج” الوطنية، اختارت الطريق الأسهل عبر صهر النحاس وتحويله إلى سبائك (Ingots) وشحنه نحو الأسواق الدولية، تاركة المصانع المغربية في مواجهة خصاص يدفعها للبحث عن مادتها الأولية في الخارج وبالعملة الصعبة.
هذا الانزلاق نحو فخ “السبائك” يكرس نموذجاً اقتصادياً قائماً على الاستنزاف؛ فنحن نجمع خردة النحاس من بنيتنا التحتية، وبدلاً من تحويلها إلى قيمة مضافة عالية كالأسلاك الدقيقة والأجزاء المحركية، يتم توجيهها كـ “نصف مادة” لخدمة سلاسل القيمة في أوروبا وآسيا، وهو ما يطرح سؤالاً حارقاً: هل تحولت بعض هذه الوحدات الصناعية إلى مجرد “قنطرة” لخروج الموارد الاستراتيجية نحو التصدير تحت غطاء الاستثمار الصناعي؟
المفارقة الصادمة أن المغرب يصدر النحاس في صيغ نصف مصنّعة بأسعار محدودة، ليعيد استيراده من الخارج على شكل كابلات وتجهيزات صناعية بأسعار مضاعفة وبالعملة الصعبة، في نموذج يطرح تساؤلات حول موقعنا الحقيقي داخل سلاسل القيمة: هل نحن فاعل صناعي، أم مجرد مزود للمواد الأولية في حلقة إنتاج لا نتحكم فيها؟
أمام هذا الوضع، لم يعد قرار فرض ضريبة 20% على الصادرات مجرد إجراء “جبائي”، بقدر ما هو محاولة لتصحيح مسار اختل لسنوات، ومحاصرة دينامية تصديرية لا تخدم بالضرورة حاجيات السوق الوطنية.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: أين كانت آليات التتبع واليقظة طيلة هذه المرحلة؟ وهل يعكس هذا التأخر تحديات في تنزيل الحكامة الصناعية، أم صعوبة في ضبط توازنات قطاع يتقاطع فيه الاقتصادي بالاستراتيجي؟
في المقابل، يفتح هذا النقاش بعداً آخر يتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة والمستثمر؛ فالاستثمار الصناعي لا يقتصر على منطق الربح، بل يرتبط أيضاً بدور اقتصادي يساهم في خلق القيمة داخل النسيج الوطني.
وحين يتحول النقاش إلى التلويح بالإغلاق بمجرد إدخال إجراءات تصحيحية، فإنه يعكس توتراً في فهم هذا التوازن بين التنافسية والالتزام بدينامية التصنيع.
إن الحقيقة التي يكشفها هذا التوتر هي الحاجة إلى آليات أكثر صرامة في التتبع وربط الدعم العمومي بنتائج ملموسة، سواء من حيث نسبة الإدماج المحلي أو توجيه الإنتاج نحو تلبية حاجيات الصناعة الوطنية.
كما يطرح النقاش إمكانية اعتماد إجراءات تنظيمية أكثر دقة لضمان توجيه الاستثمارات نحو تحقيق أهدافها الصناعية، بدل الاكتفاء بأدوار محدودة القيمة داخل سلاسل الإنتاج.
المغرب اليوم أمام مفترق طرق: إما تعزيز حكامة الدعم الصناعي وربطه بشروط واضحة وقابلة للتقييم، بما يضمن تثمين الموارد محلياً، أو الاستمرار في نموذج يكتفي بإعادة توجيه المواد في صيغ محدودة القيمة.
فشعار “صنع بالمغرب” لا يكتسب معناه الحقيقي إلا حين يتحول إلى إنتاج فعلي داخل التراب الوطني، لا مجرد مرحلة ضمن سلاسل إنتاج تمتد خارج حدوده.
إن السيادة الصناعية لا تُبنى بمنطق التساهل، بل بترسيخ قواعد واضحة تُلزم كل مستفيد من الدعم العمومي بتحقيق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني.
