بقلم: الباز عبدالإله
جسدت الوقفة الاحتجاجية الحاشدة التي نظمتها التنسيقية المحلية لمناهضة الفساد بمراكش، صباح اليوم الأحد، ذروة الاحتقان التدبيري والحقوقي الذي يطوق المشاريع المهيكلة بالمدينة الحمراء.
وتحت شعار “كلنا مسؤولون.. كلنا معنيون”، احتشد العشرات أمام المحطة الطرقية الجديدة بمنطقة “العزوزية” تنفيذاً لبرنامج نضالي سطرته التنسيقية مسبقاً، واضعة هذا المرفق تحت مجهر المساءلة الشعبية كنموذج لما وصفته بـ”سيادة الريع وتبديد المال العام”، وتجسيد حي للفجوة العميقة بين شعارات برنامج “مراكش الحاضرة المتجددة” وحقيقة الإنجاز التي وصفتها الكلمة الختامية للوقفة بـ”أفظع مستويات الخروقات” القانونية والمالية والتقنية.
وكشفت الكلمة الختامية للوقفة، وفق ما ورد فيها، عن معطيات تعود إلى يناير 2014، تاريخ توقيع اتفاقية المشروع التي رُصدت لها ميزانية تناهز 630 مليار سنتيم (6.3 مليار درهم)، حيث انطلقت الأشغال في يناير 2015 قبل الحصول على التراخيص الرسمية أو المصادقة على التصاميم، في ما اعتبرته التنسيقية تجاوزاً للمساطر المعمول بها.
كما أُقيمت المنشأة على عقار ذي صبغة سقية يمنع فيه البناء أصلاً (الرسم العقاري 1970/م)، وهو ما طرح تساؤلات حول السرعة التي اعتُمد بها المشروع والهدف الحقيقي من ورائه، والذي حصرته التنسيقية في ما اعتبرته خدمةً لمصالح فاعلين محددين.
وما زاد من حدة الانتقادات هو مصادقة المجلس الجماعي في دورة أبريل 2014 على إحداث المحطة، ليعقب ذلك في مايو قرار بالموافقة على كراء الأرض بسومة لا تتجاوز 21.200 درهم للهكتار، في ما وصفته التنسيقية بتدبير يثير تساؤلات حول خلفياته.
ولم تتوقف الاختلالات عند الجانب المسطري، بل امتدت، بحسب البلاغ، إلى ما اعتُبر اختلالات في تدبير الفضاء، من خلال اقتطاع بقعة أرضية بمساحة 7400 متر مربع كانت مخصصة في الأصل لمواقف سيارات الأجرة، وتفويتها لفائدة شركة خاصة بغرض إنشاء محطة وقود وباحة استراحة، في وقت تم فيه، وفق المصدر ذاته، تغييب المهنيين ونقابات النقل الطرقي عن كافة مراحل الإنجاز.
هذا المسار، وفق ما أوردته الهيئات الحقوقية، نتج عنه مرفق لا تتوفر فيه المواصفات العصرية، بل وبات يشكل عبئاً إضافياً على المرتفقين والمهنيين، كما عرف المشروع أوامر توقف متكررة للأشغال تسببت في كلفة إضافية على الجماعة، في ما اعتبرته هذه الهيئات مؤشراً على تغييب المصلحة العامة لصالح ما وصفته بـ”شبكات مصالح ضيقة”.
وعلى المستوى المالي، دقت التنسيقية ناقوس الخطر بشأن هدر الموارد؛ فبالرغم من بلوغ كلفة المشروع 12 مليار سنتيم، مع إضافة 10% ككتلة أشغال تكميلية، وبالرغم من التسلم النهائي للأشغال في أكتوبر 2018 وفق محاضر رسمية، إلا أن المحطة ظلت مغلقة لسنوات، وهو ما اعتبرته الكلمة الختامية وضعاً يطرح شبهة هدر للمال العام ويفتح النقاش حول غياب المحاسبة.
وأمام هذا الوضع، طالبت التنسيقية بفتح تحقيق نزيه وشامل في كافة التلاعبات التي طالت هذا المشروع وغيره من مشاريع الحاضرة المتجددة المتعثرة كمدينة الفنون ومتحف الماء، مؤكدة تضامنها المطلق مع كافة الحقوقيين والنشطاء في وجه ما وصفته بمحاولات الإسكات، ومشددة على أن صيانة المال العام وربط المسؤولية بالمحاسبة هما المدخل الوحيد لحماية مستقبل مراكش.




