بقلم: الباز عبدالإله
كشفت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أنها أودعت، عبر مكتبها المركزي، شكاية رسمية لدى رئيس النيابة العامة بالرباط، تطالب من خلالها بفتح تحقيق قضائي مستقل ومعمق في ظروف وملابسات وفاة الشاب عمر حلفي، الذي فارق الحياة يوم 18 فبراير 2026، أثناء تواجده بمقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء.
وحسب بلاغ الجمعية، فإن الراحل كان يوجد رهن تدابير الحراسة النظرية، قبل أن يسقط من نافذة بالطابق الرابع بمقر الفرقة الوطنية.
ورغم أن الروايات الأولية تشير إلى فرضية الانتحار، فإن الجمعية شددت على أن وقوع الحادث داخل فضاء أمني، يوجد تحت سلطة أجهزة إنفاذ القانون، يجعل الملف ذا حساسية خاصة، ويفرض تعاملاً قضائياً شفافاً ودقيقاً، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالحق في الحياة وبسلامة الأشخاص الموجودين تحت عهدة الدولة.
واعتبرت الجمعية أن هذه الواقعة تطرح أسئلة قانونية وحقوقية عميقة حول الضمانات الواجب توفيرها للأشخاص الموضوعين رهن الحراسة النظرية، وحول حدود المسؤولية في حماية سلامتهم الجسدية والنفسية، خصوصاً عندما تقع الوفاة داخل مرفق رسمي يفترض فيه أن يكون خاضعاً لمعايير صارمة في المراقبة والتتبع.
وطالبت الجمعية، في شكايتها المودعة بتاريخ 24 أبريل 2026، بفتح بحث قضائي جدي ومستقل يهدف إلى الوقوف على الظروف الحقيقية للوفاة، وإجراء الخبرات اللازمة، بما في ذلك التشريح الطبي الدقيق، واللجوء إلى خبرات تقنية مضادة عند الاقتضاء، حتى لا يبقى الملف محصوراً في رواية واحدة أو قراءة أولية غير مكتملة.
كما دعت الجمعية إلى تفريغ تسجيلات كاميرات المراقبة الخاصة بمقر الفرقة الوطنية خلال فترة تواجد الهالك، وحجزها، باعتبارها عناصر قد تكون حاسمة في إعادة بناء مسار الوقائع، وتحديد ما جرى قبل لحظة الوفاة وبعدها، بعيداً عن التخمينات أو التأويلات غير المؤسسة.
وشددت الجمعية كذلك على ضرورة الاستماع إلى جميع المسؤولين والضباط الذين باشروا التحقيق مع الضحية، وترتيب الآثار القانونية المناسبة في حال ثبوت أي مسؤولية، سواء تعلق الأمر بفعل مباشر، أو تقصير، أو ظروف كان من شأنها أن تساهم في وقوع الحادث.
ويكتسي الملف بعداً حقوقياً حساساً، لأنه لا يتعلق فقط بواقعة وفاة معزولة، بل بسؤال أوسع يهم علاقة المواطن بالمؤسسات، ومدى قدرة المساطر القانونية على تقديم أجوبة واضحة عندما يتعلق الأمر بحياة شخص كان يوجد تحت مسؤولية مرفق عمومي.
فالحراسة النظرية، باعتبارها إجراءً قانونياً استثنائياً، تفرض على الجهة المشرفة عليها واجباً مضاعفاً في الحماية والمراقبة وضمان السلامة.
وأفادت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بأنها توصلت بوصل تسجيل الشكاية بتاريخ 28 أبريل 2026، مؤكدة أنها ستواصل متابعة هذا الملف عن كثب، إلى حين الكشف عن الحقيقة كاملة، وترتيب ما قد يترتب عنها من مسؤوليات قانونية.
وبين الرواية الأولية التي تتحدث عن الانتحار، والمطلب الحقوقي الداعي إلى تحقيق مستقل ومعمق، يبقى الكشف عن الحقيقة هو المدخل الأساسي لصون هيبة القانون، وطمأنة الرأي العام، وإنصاف عائلة الراحل، وتعزيز الثقة في العدالة.
ذلك أن قوة المؤسسات لا تقاس فقط بقدرتها على تطبيق القانون، بل أيضاً بقدرتها على توضيح الوقائع حين تقع داخل فضاءاتها الحساسة.
