لم يعد ما يجري بين وزارة العدل وهيئات المحامين بالمغرب يُختزل في خلاف تقني حول مواد قانونية، بقدر ما يعكس توتراً بنيوياً في تحديد حدود العلاقة بين الدولة والمهن القانونية.
ففي قلب هذا الجدل، برز موقف وزير العدل عبد اللطيف وهبي، الذي اعتبر التوقف الجماعي عن العمل، بما يشمله من تغيب عن الجلسات وتعليق لخدمات المساعدة القضائية، شكلاً من أشكال الامتناع عن تقديم المساعدة للقضاء، بل ويدخل
وفق تأويله ضمن ما تحظره المادة 39 من القانون المنظم للمهنة، التي تمنع الاتفاق الجماعي على التوقف عن أداء الواجبات المهنية.
غير أن هذا التوصيف، رغم استناده إلى مقتضى قانوني صريح، يفتح نقاشاً أعمق حول حدود هذا المنع، خاصة في ظل السياق الذي جاء فيه. فالإضراب الذي خاضه المحامون لم يكن معزولاً، بل جاء تفاعلاً مع مشروع قانون اعتبرته الهيئات المهنية مثيراً لجملة من التخوفات المرتبطة باستقلالية المهنة وحدود تدخل السلطة التنفيذية في تنظيمها.
وفي هذا الإطار، كانت جمعية هيئات المحامين بالمغرب قد وجهت مراسلة إلى وزارة العدل بتاريخ 29 دجنبر 2025، عبّرت فيها عن تحفظات واضحة، معتبرة أن المشروع في صيغته المحالة خرج عن خلاصات اللجنة المشتركة التي أُحدثت في إطار ما سمي بالمقاربة التشاركية.
وطالبت الجمعية بسحب المشروع وإعادة مناقشته، وهو ما يعكس وجود فجوة بين التصور المؤسساتي للإصلاح وانتظارات الجسم المهني.
ورغم تأكيد الوزارة أن المشروع أُعد عبر مشاورات موسعة، شملت ممثلين عن الهيئات المهنية ونقباء المحامين، وأنه يهدف إلى تعزيز الحق في الدفاع وتقوية ضمانات المحاكمة العادلة، إلا أن رد الفعل المهني جاء في اتجاه معاكس، من خلال التوقف الجماعي عن العمل، وهو ما أعاد طرح سؤال مركزي: هل نحن أمام خلاف تقني حول نص قانوني، أم أمام صراع أعمق حول من يمتلك سلطة تأطير المهنة؟
هذا التوتر بلغ ذروته مع توصيف الإضراب بـ“التواطؤ”، وهو توصيف أثار بدوره نقاشاً واسعاً حول مدى اتساقه مع طبيعة المهنة، وحدود الحق في الاحتجاج داخل منظومة يفترض أن تقوم على استقلالية الدفاع.
فبين من يرى في الإضراب إخلالاً بالسير العادي لمرفق العدالة، ومن يعتبره وسيلة ضغط مشروعة، تتشكل منطقة رمادية تحتاج إلى تأطير قانوني ومؤسساتي أكثر دقة.
دخول رئاسة الحكومة على خط الأزمة، من خلال تشكيل لجنة مشتركة تحت إشراف رئيس الحكومة، وعقد اجتماع أول يوم 13 فبراير 2026، شكّل منعطفاً في مسار هذا الملف، خاصة بعد إعلان جمعية هيئات المحامين، في بلاغ بتاريخ 11 فبراير، العودة إلى الحوار واستئناف العمل ابتداء من 16 فبراير. وهو ما أعاد الأمور إلى وضع أقرب إلى “الهدنة” منه إلى الحل النهائي.
غير أن هذه الهدنة، رغم ما تحمله من مؤشرات تهدئة، تظل مفتوحة على أكثر من قراءة.
فمن جهة، يمكن اعتبارها خطوة لإعادة بناء الثقة واستئناف النقاش داخل المؤسسات، ومن جهة أخرى، تُطرح تساؤلات حول ما إذا كانت تمثل حلاً فعلياً للأزمة، أم مجرد تدبير مرحلي لاحتواء حالة احتقان مهني قابل للتجدد.
يتجاوز هذا الملف حدود مشروع قانون بعينه، ليطرح إشكالية أعمق تتعلق بتوازن دقيق بين سلطة التنظيم واستقلالية الدفاع.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال مركزي: هل تملك لجنة رئاسة الحكومة القدرة على ترميم ما أحدثه التوتر الأخير في العلاقة بين الوزارة والجسم المهني، أم أن الأمر يتعلق بمحاولة لإعادة ضبط الإيقاع بعد مرحلة اتسمت بحدة غير مسبوقة في الخطاب والمواقف؟
الرهان اليوم لا يقف عند حدود تعديل البنود، بقدر ما يرتبط بإعادة بناء الثقة بين الفاعلين داخل منظومة العدالة؛ إذ إن أي إصلاح لا يحظى بحد أدنى من القبول المهني يظل معرضاً لصعوبات في التنزيل، خاصة داخل مهنة ارتبط تاريخها بهامش واسع من الاستقلالية والدفاع عن موقعها داخل توازنات العدالة.
