بقلم: الباز عبدالإله
قدّم الدكتور والباحث في الشأن السياسي علاء الدين بنهادي، عبر قناته على منصة يوتيوب، ضمن الحلقة الختامية من الموسم الثاني لبودكاست “الزمن السياسي”، تشخيصاً متعدد الأبعاد لما اعتبره أزمة بنيوية تضرب عمق النسق السياسي والإعلامي بالمغرب، رابطاً ذلك بتفكك منظومة الوساطة المؤسساتية منذ محطة دستور 2011، وما ترتب عنها من تحولات عميقة مست بنية الفعل الحزبي والإعلامي ووظائفهما داخل المجتمع.
ينطلق هذا التشخيص من فكرة مركزية مفادها أن دستور 2011 شكّل لحظة مفصلية حملت طموحاً لإعادة هندسة العلاقة بين الدولة والمجتمع، من خلال تعزيز دور الأحزاب، وتوسيع هامش الحريات، وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
غير أن المسار العملي، حسب بنهادي، لم يواكب هذا الطموح، حيث اصطدمت المقتضيات الدستورية بحواجز بنيوية مرتبطة بثقل الممارسة التقليدية وضعف الثقافة الديمقراطية داخل الأحزاب، ما أفرز نتائج معاكسة لروح الوثيقة الدستورية.
وفي هذا السياق، يبرز ما وصفه بـ“زواج الضرورة” أو “زواج المتعة السياسي” كأحد أبرز مظاهر هذا التحول، حيث جُمعت مكونات غير منسجمة إيديولوجياً ولا تاريخياً داخل نفس التحالفات الحكومية، الأمر الذي أضعف الأحزاب وحوّلها من مؤسسات لصياغة المشاريع المجتمعية إلى أدوات لتنفيذ سياسات عمومية تُصاغ خارج فضاءاتها التقريرية.
هذا التحول، في نظره، ساهم في إفراغ العملية السياسية من مضمونها، حيث لم تعد الانتخابات تُنتج بالضرورة سلطة سياسية مستقلة، بل تحوّلت، في كثير من الحالات، إلى آلية لإعادة توزيع الأدوار داخل منظومة تحافظ على توازناتها خارج المنطق الحزبي.
وفي سياق متصل، يشير بنهادي إلى أن هذا المسار أدى إلى تآكل تدريجي لمنظومة الوساطة، حيث فقدت الأحزاب والنقابات قدرتها على التأطير واحتواء الاحتجاجات. ويبرز ذلك، حسب تقديره، في محطات مفصلية، من بينها أزمة “البلوكاج” الحكومي سنة 2016، وحراك الريف سنة 2017، ثم بروز التنسيقيات القطاعية، خاصة في التعليم والصحة، كبدائل احتجاجية أفقية تشتغل خارج الأطر التقليدية.
وفي موازاة ذلك، يسجل صعوداً متزايداً لدور النخب التكنوقراطية في تدبير الشأن العام، معتبراً أن هذا الخيار، رغم ما يتيحه من سرعة وفعالية، يظل محدوداً في غياب الشرعية السياسية والتأطير المجتمعي، وهو ما يجعل القرارات العمومية عرضة للرفض الشعبي لافتقارها إلى وسائط قادرة على الشرح والإقناع.
أما على المستوى الإعلامي، فيقدّم الدكتور بنهادي تشخيصاً حاداً لتحولات الاقتصاد السياسي للصحافة، معتبراً أن الأزمة لم تعد مالية فقط، بل تحوّلت إلى أزمة وظيفة.
فمع اشتداد المنافسة على نسب المشاهدة واجتذاب كعكة الإشهار الرقمي المحدودة، اتجهت العديد من المنابر نحو خطاب سطحي قائم على الإثارة وتتبع الفضائح، على حساب التحليل الرصين والتحقيقات الاستقصائية.
وفي هذا الإطار، يطرح مفهوم “كيمياء الصحافي والسياسي”، لوصف علاقات غير متوازنة تقوم على تبادل المصالح، حيث تتحول بعض المنابر إلى أدوات لتلميع صورة الفاعلين السياسيين وتبييض اختياراتهم، بدل مساءلتهم، مقابل امتيازات أو قرب من مراكز النفوذ، وهو ما ساهم في إضعاف استقلالية الإعلام وتراجع ثقة الجمهور.
كما ينتقد طريقة توزيع الدعم العمومي للصحافة، معتبراً أن غياب معايير شفافة ومبنية على الجودة أدى إلى بروز مشهد إعلامي مختل، تستفيد فيه مؤسسات قوية مالياً لكنها محدودة مهنياً، في حين تعاني المنابر المستقلة من التهميش والهشاشة.
وفي قلب هذه التحولات، يبرز ما يسميه الدكتور بنهادي “السياسي الاستعراضي”، وهو نموذج جديد من الفاعلين يعوض محدودية تأثيره داخل المؤسسات بحضور رقمي مكثف، يعتمد على الإثارة وصناعة الجدل بدل النقاش الجاد، مستفيداً من منطق “اقتصاد الانتباه” الذي يحكم المنصات الرقمية.
ويربط هذا التحول بتنامي ظواهر أوسع، من بينها تضارب المصالح، وزواج السلطة بالثروة، وتراجع الثقة في العمل الحزبي، ما أدى إلى إفراغ التعددية السياسية من مضمونها الإصلاحي وتحويلها إلى ممارسة شكلية.
كما يتوقف عند البعد الجيلي، مشيراً إلى صعود جيل رقمي جديد يرفض البنيات الحزبية التقليدية، ويبحث عن قنوات بديلة للتعبير. ويعتبر أن عزوف الشباب عن المشاركة السياسية الكلاسيكية لا يعكس لامبالاة، بل موقفاً نقدياً واعياً تجاه مؤسسات لم تعد قادرة على تمثيله.
هذا التحول، بحسب تحليله، يضع الدولة أمام معادلة معقدة، حيث تجد نفسها في مواجهة فاعلين غير مهيكلين، يصعب تأطيرهم أو التفاوض معهم، ويملكون قدرة عالية على التعبئة السريعة عبر المنصات الرقمية.
وانطلاقاً من هذا التشخيص، يحذر الدكتور بنهادي من أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى بروز حركات احتجاجية غير متوقعة، في ظل غياب وسائط قادرة على امتصاص التوتر وتأطير المطالب، ما قد يضع الدولة أمام تحديات مكلفة ومعقدة.
وفي المقابل، يدعو إلى إعادة الاعتبار للعمل السياسي، وتمكين الأحزاب من أداء أدوارها الدستورية، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل فعلي، إلى جانب إصلاح منظومة الإعلام وربط الدعم العمومي بمعايير الجودة والاستقلالية، وتشجيع تجديد النخب وإدماج الشباب.
كما يشدد على أهمية استعادة دور المثقف في إنتاج خطاب بديل يجمع بين العمق والجاذبية، لمواجهة ما يسميه “طوفان التفاهة” في الفضاء الرقمي.
في العمق، لا يتعلق هذا الطرح فقط بتشخيص أزمة ظرفية، بل بإعادة طرح سؤال جوهري حول مستقبل التوازن بين الدولة والمجتمع، في ظل تحولات متسارعة تعيد تشكيل الفضاء السياسي والإعلامي، وتفرض إعادة التفكير في أدوار المؤسسات وحدود تأثيرها.
