بقلم: الباز عبدالإله
لم تكن تدوينة البرلمانية فاطمة الزهراء التامني مجرد قراءة عابرة لنهاية ولاية تشريعية، بل جاءت كتشخيص سياسي واضح لأسلوب تدبير يطرح تساؤلات حول موقع المؤسسة التشريعية داخل منظومة القرار العمومي.
فمن خلال ملاحظاتها، بدا وكأن البرلمان يُنظر إليه أحياناً كفضاء زمني لتسريع المصادقة، أكثر من كونه سلطة دستورية قائمة بذاتها تُنتج النقاش وتوازن الاختيارات.
وفي هذا السياق، اعتبرت التامني أن “انطلاق الدورة الربيعية للبرلمان هذه السنة يأتي في سياق سياسي وتشريعي بالغ الحساسية، ليس فقط لأنها آخر دورة ضمن الولاية الحالية، بل لأنها تخضع لمنطق ‘السباق مع الزمن’ الذي يطبع عادة نهاية الولايات التشريعية، حيث تُطرح مشاريع قوانين ثقيلة ومفصلية بشكل متسارع وتُمارَس ضغوط من أجل تمريرها قبل إغلاق المرحلة.”
وأضافت متسائلة: “لكن السؤال الحقيقي ليس هو عدد القوانين التي سيصادق عليها البرلمان، بل أي قوانين؟ وبأي جودة؟ ولصالح من؟”، وهو تساؤل يلخص جوهر النقاش الدائر حول وظيفة التشريع في هذه المرحلة.
وتشير قراءة التامني إلى أن التجربة الأخيرة أفرزت مؤشرات تستدعي التوقف، من بينها ما وصفته بضعف النقاش التشريعي مقابل حضور قوي لمنطق التصويت العددي، إلى جانب تراجع المبادرة التشريعية داخل البرلمان، ومحدودية الأثر الرقابي رغم تعدد الآليات الشكلية.
وفي هذا الإطار، طرحت سؤالاً مركزياً: “فهل البرلمان يمارس استقلاليته فعلاً أم يشتغل كامتداد للأغلبية الحكومية؟”، وهو سؤال يعكس طبيعة الإشكال الذي لم يعد تقنياً فقط، بل يرتبط بتوازن السلط ووظيفة المؤسسة التشريعية.
كما لفتت إلى أن ضغط الزمن التشريعي قد ينعكس على جودة النصوص، مبرزة أن “التشريع لا يُقاس بالكم بل بالعمق والانسجام واحترام الحقوق والحريات والتقاط نبض المجتمع”، وهو ما يطرح تحدي التوفيق بين سرعة الإنجاز وجودة المضمون.
وفي قراءة أوسع، يُفهم من طرح التامني أن هناك تخوفاً من أن بعض القوانين تُصاغ أحياناً بمنطق تقني صرف، بعيد نسبياً عن النقاش العمومي الواسع، أو أن يتم تمرير مقتضيات ذات أثر حساس دون نقاش كافٍ، وهو ما قد يؤدي لاحقاً إلى الحاجة لإعادة التعديل أو المراجعة.
كما شددت على أن هذه الدورة تكتسي طابعاً خاصاً، بالنظر إلى الملفات المطروحة، سواء تلك المرتبطة بالحريات أو بالسياسات الاجتماعية، معتبرة أنه “في ظل تصاعد الغلاء وتدهور القدرة الشرائية وتفاقم البطالة والهشاشة، يُفترض أن تكون الأولوية للتشريعات ذات الأثر الاجتماعي المباشر.”
ودعت في هذا السياق إلى تعزيز إشراك المجتمع المدني والخبراء، وتقييم أثر القوانين قبل المصادقة عليها، إلى جانب احترام الزمن التشريعي الكافي للنقاش داخل اللجان.
وفي خلفية هذا النقاش، تبرز أيضاً مسألة توظيف التشريع في السياق السياسي العام، حيث أشارت التامني إلى أن نهاية الولايات قد تشهد أحياناً تمرير نصوص تحظى بدعم الأغلبية، مقابل تأجيل أخرى أكثر حساسية، وهو ما يعيد طرح سؤال وظيفة البرلمان بين منطق التوازن المؤسساتي ومنطق الاصطفاف السياسي.
قراءة ختامية
تطرح هذه المواقف نقاشاً أعمق حول مستقبل العمل التشريعي بالمغرب، خاصة في لحظة تتسم بتداخل الرهانات السياسية والاجتماعية.
فبين ضغط الأجندة ونهاية الولاية، يبقى التحدي الأساسي هو مدى قدرة البرلمان على الحفاظ على دوره كفضاء للنقاش العمومي وإنتاج قوانين متوازنة، تعكس تطلعات المجتمع وتُعزز الثقة في المؤسسات، بدل أن تُختزل في مجرد آلية للمصادقة السريعة.
