بقلم: الباز عبدالإله
حين يصمت البرلمان… هل نحمي القضاء أم نهرب من المساءلة؟
لم يعد “التحفظ المؤسساتي” مجرد صمت محسوب، بل تحول إلى فراغ خطير تُملؤه الخوارزميات قبل المؤسسات.
بل أصبح هذا الفراغ ميداناً صاخباً تخوض فيه العواطف الرقمية معاركها الخاصة، حيث ينشأ، في غياب التأطير السياسي، ما يمكن وصفه بـ”برلمان رقمي” يضع قواعده الخاصة ويُصدر أحكامه خارج أي مساطر أو ضمانات.
في هذه اللحظة تحديداً، لا يكون الخطر في ارتفاع منسوب النقاش، بل في غياب الوسيط الذي يُفترض أن يحوّل هذا النقاش من انفعال عابر إلى فعل مؤسساتي مؤطر.
ينطلق هذا الإشكال من خلل في وظيفة الوساطة، لا من نقص في النصوص.
فوفق دستور المملكة المغربية 2011، يضطلع البرلمان بدور مركزي في تمثيل المواطنين ومساءلة الحكومة، لا التدخل في القضاء.
غير أن هذا التحديد، على وجاهته الدستورية، لا ينبغي أن يُفهم كدعوة إلى الانسحاب الكامل من النقاش في القضايا ذات الحساسية الحقوقية، بل كإطار يحدد طبيعة التدخل وحدوده.
في هذا السياق، يبرز خلط شائع بين مستويين مختلفين: محاكمة الفرد، وهي اختصاص حصري للسلطة القضائية، ومراقبة المنظومة، وهي صميم العمل التشريعي والرقابي.
فبينما يبحث القضاء عن المسؤولية الجنائية وفق قواعد الإثبات والمساطر، يُفترض في البرلمان أن ينظر في الشروط التي أنتجت الواقعة: هل الإطار القانوني كافٍ؟ هل السياسات العمومية المعتمدة ناجعة؟ هل الموارد والتكوينات تواكب التحولات المجتمعية؟
الاحتكام إلى مبدأ فصل السلط ضروري، لكن الحياد لا يعني الصمت.
ولعل التجارب الديمقراطية المقارنة تقدم هنا نماذج عملية لما يمكن تسميته بـ”المساءلة الموازية”.
ففي الولايات المتحدة، دأب الكونغرس الأمريكي على عقد جلسات استماع لمسؤولين أمنيين في أعقاب حوادث أثارت جدلاً واسعاً، لمساءلتهم حول سياسات استخدام القوة دون التدخل في المسارات القضائية.
وفي كندا، يستدعي البرلمان الكندي مسؤولي الشرطة الملكية الكندية لمناقشة الاختلالات البنيوية أو التدبيرية، في إطار شهادات تقنية تركز على الإصلاح لا الإدانة.
أما في فرنسا، فقد طورت الجمعية الوطنية الفرنسية آلية لجان التحقيق التي تستمع لمسؤولين تحت القسم، في توازن دقيق بين حق البرلمان في التقصي وواجب عدم التأثير على القضاء. هذه النماذج تؤكد أن النقاش البرلماني لا ينافس العدالة، بل يواكبها ويؤطر سياقها.
في المقابل، يبدو أن هذه المساحة الوسيطة لا تزال محدودة الاستثمار في السياق المغربي. فغالباً ما يُختزل التفاعل البرلماني في حدود ضيقة، رغم توفر أدوات دستورية مثل اللجان الموضوعاتية أو مهام تقصي الحقائق.
وقد يُقرأ هذا الحذر، لدى جزء من الرأي العام، ليس فقط كاحترام لحدود الاختصاص، بل أيضاً كصعوبة في مواكبة النقاش العمومي في لحظات الذروة.
إن خطورة هذا الانكفاء لا تقتصر على غياب المساءلة السياسية فحسب، بل تمتد لتكريس جمود تشريعي؛ فبدون نقاش برلماني حي يواكب الحوادث الكبرى، تظل القوانين المنظمة للحريات والتدخل الأمني رهينة نصوص قديمة، لا تستجيب للتحديات الحقوقية المتجددة.
إن الرهان اليوم لا يكمن في توسيع اختصاص البرلمان على حساب القضاء، بل في تفعيل ما هو متاح داخل حدوده المشروعة.
فطرح أسئلة حول سياسات التكوين، أو شروط المراقبة، أو الإطار القانوني المنظم لبعض الإجراءات، لا يُربك القضاء، بل يساهم في بناء بيئة مؤسساتية أكثر تماسكاً.
إنها رقابة على السياق لا على الوقائع الجنائية، وعلى المنظومة لا على الأفراد.
غير أن أخطر ما ينتجه الصمت المؤسساتي هو ترك الحقيقة نهباً للخوارزميات.
فعندما يغيب النقاش المؤطر داخل الفضاءات التمثيلية، تتقدم المنصات الرقمية لملء الفراغ، وتتحول القضايا المعقدة إلى موجات رأي متقلبة، تُختزل فيها الوقائع في سرديات متناقضة، وتنتهي غالباً دون أثر إصلاحي ملموس.
وعلاوة على ذلك، فإن هذا الصمت غالباً ما يُفسَّر شعبياً كنوع من “التضامن العضوي” بين السلط، مما يغذي سرديات التشكيك ويمنح مشروعية مجانية لخطابات العدمية السياسية.
لا تُقاس قوة المؤسسات بمدى صمتها، بل بقدرتها على إدارة النقاشات الصعبة ضمن إطار القانون.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يخطئ البرلمان، بل أن يغيب حين يكون حضوره واجباً.
فالرهان ليس في الحلول محل القضاء، ولا في إصدار أحكام موازية، بل في إثبات أن المؤسسة التشريعية حاضرة، تسمع، وتفكر، وتواكب.
وبين واجب التحفظ وضرورة المساءلة، تتحدد مصداقية العمل السياسي، وتتجدد شروط الثقة بين الدولة والمجتمع.
إن استعادة هذه الثقة لا تمر عبر الانكفاء، بل عبر تسييس نبيل للنقاش حول السياسات العمومية المرتبطة بالحقوق والحريات، بما يحصّن دولة القانون، ويجعل الصمت أقل كلفة من طرح الأسئلة الصعبة.
فبرلمان لا يتكلم حين يتألم المجتمع، يخاطر بأن يتحول، في وعي المواطنين، إلى مجرد بنية إدارية صامتة، بدل أن يكون قلباً نابضاً للديمقراطية.
