بقلم: الباز عبدالإله
لم تعد قضية النقيب محمد زيان مجرد ملف قضائي عابر، بل تحولت إلى اختبار دقيق لحدود التمييز بين المسطرة والتجريم، وبين النص القانوني وتأويله، في سياق يثير نقاشاً يتجاوز شخص المعني بالأمر إلى طبيعة المقاربة المعتمدة في قضايا المال العام.
وفي تدوينة مطولة، كشف الأستاذ رشيد أيت بلعربي، المحامي بهيئة القنيطرة وعضو هيئة دفاع النقيب زيان، أن هذا الأخير توبع بناءً على شكاية تقدم بها إسحاق شارية، الأمين العام الحالي للحزب، تتهمه باختلاس أموال الدعم العمومي المخصصة للحملات الانتخابية.
وهي الشكاية التي تم حفظها في مرحلة أولى قبل أن يعاد تحريكها لاحقاً، ليجد المعني بالأمر نفسه متابعاً في حالة اعتقال بتهم تتعلق بالاختلاس وتبديد أموال عمومية.
وأوضح المحامي أن الفصل 147 من الدستور يمنح للمجلس الأعلى للحسابات اختصاص تدقيق حسابات الأحزاب السياسية، كما تحدد المادة 45 من قانون الأحزاب السياسية بشكل دقيق مسطرة فحص نفقات الحملات الانتخابية وآليات تسوية وضعيتها، مع إحالة الحالات التي يثبت فيها الاختلاس على الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض.
وأشار إلى أن الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات شدد، في عرضه السنوي أمام البرلمان خلال فبراير 2026، على ضرورة التمييز بين “الإخلالات التدبيرية” التي تدخل ضمن اختصاص القضاء المالي، و”الاختلاس” الذي يندرج ضمن اختصاص القضاء الزجري، وهو ما يمنح هذا النقاش بعداً راهناً يتجاوز حدود هذا الملف.
وفي هذا السياق، يطرح الملف، كما يعكسه طرح الدفاع، إشكالاً أعمق يتعلق بما يمكن وصفه بـ”تنازع الاختصاص” بين المجلس الأعلى للحسابات باعتباره قضاءً مالياً مختصاً بتدقيق نفقات الأحزاب، وبين النيابة العامة باعتبارها جهة تحريك الدعوى العمومية.
فهل يُفهم تحريك المتابعة بناءً على شكاية حزبية، في غياب تقرير تدقيق صادر عن المؤسسة الدستورية المختصة، كمسار موازٍ للمسطرة الأصلية؟ أم أن الأمر يدخل ضمن السلطة التقديرية للنيابة العامة؟ خاصة في ظل غياب تفعيل المسطرة الدستورية الكاملة التي تجعل من تقارير المجلس الأعلى للحسابات مدخلاً أساسياً للتكييف الجنائي.
وأكد أيت بلعربي أن الوضعية المالية للحزب، حسب التقارير الرسمية، سليمة ولا تتضمن أي ديون تجاه الدولة، كما أنه يتلقى الدعم العمومي بشكل عادي، وهو ما يطرح، بحسبه، تساؤلات حول توصيف الأفعال موضوع المتابعة.
كما لفت إلى أن الملف اعتمد على محاضر استقراء لكشوفات حسابية تتعلق بعمليات بنكية للحزب، دون إرفاق الوثائق الأصلية المثبتة لهذه العمليات، رغم مطالب هيئة الدفاع المتكررة، معتبراً أن ذلك يثير إشكالاً يتعلق بوسائل الإثبات وحدود الاعتماد على القراءة التفسيرية للمعطيات البنكية.
وفي ما يخص جوهر الاتهام، شدد المحامي على ضرورة التمييز بين “الاختلاس” كجريمة تقتضي نية التملك وتحويل الأموال إلى منفعة خاصة، وبين “سوء التدبير” أو عدم احترام بعض مساطر الإنفاق كما ينص عليها قانون الأحزاب.
وأبرز أن النفقات المعنية صُرفت، حسب الوثائق المدلى بها، في إطار الحملة الانتخابية، حتى وإن أثير نقاش حول مدى احترام المساطر التنظيمية المرتبطة بها.
كما تساءل عن غياب أي تقرير تدقيق صادر عن المجلس الأعلى للحسابات، وعن عدم وجود إحالة رسمية من هذه المؤسسة على الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، معتبراً أن هذه المعطيات تظل أساسية في مثل هذه القضايا.
وتطرق أيضاً إلى بعض النقاط المثارة في الملف، من بينها التعامل مع شركة لها صلة عائلية، متسائلاً عما إذا كان ذلك يشكل في حد ذاته دليلاً كافياً على الاختلاس، في غياب مؤشرات على تحقيق منفعة شخصية.
ولا يقف النقاش عند حدود الجوانب التقنية، بل يمتد إلى زاوية أوسع تتعلق بمبدأ المساواة أمام القانون، خاصة عند مقارنة هذا الملف بقضايا مالية أخرى تورط فيها مسؤولون في تدبير المال العام، صدرت فيها أحكام مخففة أو تمت فيها المتابعة في حالة سراح، وهو ما يبرز تبايناً في المقاربة القضائية يستحق النقاش.
كما يطرح الملف، في بعده الرمزي، تساؤلاً إضافياً بالنظر إلى المسار الحقوقي والسياسي للنقيب محمد زيان: هل نحن أمام محاكمة مالية صرفة تحكمها النصوص، أم أن السياق العام يضفي عليها أبعاداً أخرى تُقرأ في مستوى أعمق؟
وختم الأستاذ رشيد أيت بلعربي تدوينته بالإشارة إلى أن تأييد الحكم القاضي بسجن النقيب محمد زيان لمدة خمس سنوات يعيد طرح نقاش أوسع حول معايير التقدير في قضايا المال العام، وحدود التوازن بين الصرامة القانونية وضمانات المحاكمة العادلة، في سياق يظل فيه ترسيخ الثقة في العدالة رهيناً ليس فقط بصرامة النصوص، بل أيضاً بوضوح المساطر وتكافؤ تطبيقها، بما يضمن أن لا تتحول القضايا المعقدة إلى مصدر التباس بدل أن تكون عنواناً للإنصاف.
