كشفت مصادر إعلامية أن الجامعة الملكية المغربية لألعاب القوى تُسابق الزمن لإخراج مشروع ضخم يتمثل في بناء مقر جديد ومرافق إدارية بمدينة سلا، بغلاف مالي يناهز 12 مليار سنتيم، وعلى مساحة تتجاوز 3 هكتارات.
مشروع يُقدَّم تحت عنوان تحديث البنيات وتحسين ظروف التدبير، لكنه في الآن نفسه يُفجّر نقاشاً متجدداً حول أولويات الاستثمار داخل رياضة كانت يوماً واجهة التتويج المغربي.
في مقابل هذا التسارع في “تحصين الجدران”، يبرز سؤال مقلق داخل الأوساط الرياضية: هل تكمن أزمة ألعاب القوى في المكاتب، أم في المضامير التي تصنع الأبطال؟ فبينما تنتظر الجماهير عودة قوية إلى منصات التتويج، تبدو مؤشرات الأداء في حاجة إلى مراجعة أعمق تتجاوز البنية الإدارية نحو جوهر التكوين والتأطير.
وتزداد حدة المفارقة عند الانتقال من “مركز القرار” إلى “هوامش الإنتاج”.
ففي الوقت الذي تُرصد فيه مليارات الدراهم لمشروع بسلا، تشير معطيات ميدانية إلى أن عدداً من فضاءات التدريب في مناطق معروفة تاريخياً بتفريخ العدائين
مثل خنيفرة، إفران، وأزيلال
تعاني من محدودية التجهيزات وغياب الحلبات المطابقة للمعايير، وهو ما يطرح سؤال العدالة المجالية في الاستثمار الرياضي.
إن الاستثمار في (واجهة) سلا، في ظل (قحط) المضامير، يضع الجامعة في مواجهة مباشرة مع سؤال الحكامة: هل نحن بصدد بناء مؤسسة رياضية، أم تشييد تحفة إدارية لا تنعكس بالضرورة على النتائج؟
من زاوية تقنية صِرفة، تطرح هذه الميزانية تساؤلات أكثر دقة: فبحسب تقديرات تقريبية في سوق التجهيزات الرياضية، يمكن لغلاف مالي في حدود 12 مليار سنتيم أن يساهم في إنجاز عدة حلبات مطابقة للمعايير الدولية، أو إحداث شبكة من مراكز التكوين الجهوية القادرة على توسيع قاعدة الممارسة واكتشاف المواهب في سن مبكرة.
وهو ما يجعل النقاش يتجاوز “مشروعاً بعينه” نحو طبيعة الاختيارات الاستراتيجية المعتمدة.
وفي هذا السياق، يستحضر عدد من المتتبعين نماذج وطنية ناجحة، من بينها تجربة مركب محمد السادس لكرة القدم، التي لم تكتفِ بالبنية التحتية، بل قامت على رؤية مندمجة تجعل من التكوين والتأطير والاستثمار في الرأسمال البشري رافعة أساسية لتحقيق النتائج.
رهان ألعاب القوى اليوم لا يتعلق فقط بتحديث الواجهات، بل بإعادة بناء منظومة قادرة على تحويل الإمكانيات إلى إنجازات.
فالتاريخ الرياضي لا يُقاس بجودة المقرات، بل بعدد الميداليات التي تُصنع داخل المضامير، وبقدرة المؤسسات على مرافقة الموهبة من الجبل إلى منصة التتويج.
وبين تسريع المشاريع في سلا وانتظار النتائج داخل الحلبات، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام استثمار يؤسس لمرحلة جديدة، أم أننا أمام “هروب نحو الإسمنت” لتغطية العجز التقني، في رهان قد يمنحنا مقراً فخماً… لكنه لن يمنحنا بطلاً أولمبياً واحداً؟
