بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد الأمر مجرد إجراء إداري روتيني، بل اتخذ طابعاً رقابياً لافتاً داخل ردهات المجلس الأعلى للحسابات.
فقرار افتحاص جماعة أكادير للفترة (2023-2025) لا يقتصر على تدقيق الأرقام، بل يضع نموذج التدبير المحلي تحت المجهر، في مدينة يرأس مجلسها عزيز أخنوش، بما يحمله ذلك من رمزية سياسية ومؤسساتية.
كشفت مصادر إعلامية أن عملية الافتحاص تشمل معطيات دقيقة تتعلق بالصفقات العمومية، وسندات الطلب، والاتفاقيات المبرمة، إضافة إلى تتبع مسار النفقات والمداخيل، بما في ذلك “الباقي استخلاصه” و”الباقي أداؤه”، فضلاً عن ملفات المنازعات القضائية وتدبير الموارد البشرية، إلى جانب مؤشرات مرتبطة بجودة التدبير المرفقي.
وفي هذا السياق، يبرز معطى “الباقي استخلاصه” كأحد المؤشرات الدالة على فعالية التحصيل الجبائي، حيث يضع الجماعة أمام تحدي تحقيق التوازن بين الدينامية الاستثمارية وضمان استخلاص الموارد المستحقة.
فكلما اتسعت الفجوة بين الإمكانيات المالية والموارد المحصلة، كلما طُرح السؤال حول نجاعة آليات التدبير المالي وقدرتها على مواكبة حجم المشاريع المنجزة.
وبتركيز قضاة المجلس على التحويلات المالية لشركة “أكادير سوس ماسة تهيئة”، تمتد عملية الافتحاص إلى آليات تنفيذ المشاريع الكبرى، حيث تشكل شركات التنمية المحلية إحدى الأدوات الأساسية لتنزيل البرامج الحضرية.
ويعكس إدراج هذه المعطيات ضمن الافتحاص توجهاً نحو تقييم مختلف مستويات التدبير، سواء على مستوى التخطيط أو التنفيذ، ومدى احترام المساطر المعمول بها.
كما يندرج استثناء سنتي 2021 و2022 ضمن منطق تقني مرتبط بخصوصية مرحلة جائحة “كوفيد-19”، في حين يتركز الاهتمام على الفترة اللاحقة (2023-2025)، التي عرفت دينامية استثمارية مهمة وتدفقات مالية ملحوظة.
غير أن هذا الاستثناء، رغم وجاهته التقنية، يفتح في المقابل نقاشاً مشروعاً حول حدود تقييم مرحلة استثنائية شهدت بدورها تدبير موارد مالية مهمة في سياق استعجالي، وهو ما يجعل من مرحلة ما بعد الجائحة اختباراً أكثر دقة لمدى نجاعة التدبير وربط الموارد بالنتائج المحققة على أرض الواقع.
وتتجلى أهمية هذا الافتحاص في كونه سيمر من مرحلة تحليل الوثائق والمعطيات إلى مرحلة المعاينة الميدانية، حيث سيتم التحقق من مدى مطابقة الأشغال والاقتناءات لما هو منصوص عليه في دفاتر التحملات.
وتعد هذه الخطوة حاسمة في تقييم الفارق إن وُجد بين البرمجة النظرية والتنفيذ الفعلي للمشاريع، خصوصاً في ما يتعلق بالمشاريع المهيكلة التي تعرفها المدينة.
وفي هذا الإطار، يكتسي إدراج شركة “أكادير سوس ماسة تهيئة” ضمن مجال الافتحاص أهمية خاصة، باعتبارها أداة تنفيذية تجمع بين سرعة الإنجاز ومتطلبات النجاعة.
غير أن هذه الخصوصية تطرح في الآن ذاته تحدي تحقيق التوازن بين مرونة التدبير وضمان الرقابة الفعالة، وهو ما يجعل هذا المحور من بين النقاط الدقيقة التي سيعمل الافتحاص على تقييمها.
وفي المجمل، يطرح هذا الافتحاص أبعاداً تتجاوز الجوانب التقنية، ليعكس اختباراً فعلياً لمدى انسجام نموذج التدبير المعتمد مع متطلبات الحكامة الجيدة، خاصة في ظل تقاطع المسؤوليات بين المستوى المحلي والوطني.
أكادير اليوم ليست فقط ورشاً تنموياً مفتوحاً، بل فضاءً لتقييم فعالية السياسات العمومية على المستوى الترابي.
إن نتائج هذا الافتحاص لن تكون مجرد معطيات تقنية ضمن تقرير سنوي، بل ستشكل مؤشراً على مدى قدرة نموذج التدبير المحلي على تحقيق التوازن بين حجم الاستثمارات وجودة الأثر الميداني.
وفي أفق الانتقال إلى الرقابة الميدانية المرتقبة في أبريل 2026، يبرز التساؤل حول مدى قدرة هذه المرحلة على رصد فجوات المطابقة التي قد لا تعكسها الوثائق والتقارير.
كما يطرح هذا المسار سؤالاً أعمق حول حدود مرونة شركات التنمية المحلية تحت رقابة قضاة الحسابات، وما إذا كان الأمر يتعلق بنموذج تدبيري قابل للتعميم، أم بتجربة مرتبطة بسياق خاص.
ويبقى السؤال المطروح: إلى أي حد ستسهم هذه العملية في تقديم قراءة دقيقة لواقع التدبير، وتعزيز منطق ربط المسؤولية بالمحاسبة على أساس النتائج؟
لا يتعلق الأمر بافتحاص تقني فقط، بل باختبار فعلي لمدى نجاعة نموذج تدبيري في سياق سياسي ومؤسساتي حساس، حيث تتحول أكادير إلى مقياس عملي لمدى تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة على أرض الواقع.
