بقلم: الباز عبدالإله
استقبل رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، أمس الخميس بالرباط، وفداً عن جمعية هيئات المحامين بالمغرب برئاسة النقيب الحسين الزياني، في لقاء خُصص لتدارس مستجدات مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، وذلك في غياب لافت لوزير العدل عبد اللطيف وهبي.
لقاء حمل دلالات تتجاوز طابعه المؤسساتي، ليعكس تحولاً في طريقة تدبير هذا الملف خلال مراحله الأخيرة.
إن القراءة السياسية لهذا الغياب تتجاوز مجرد توزيع للأدوار داخل الفريق الحكومي؛ إذ إن دخول رئاسة الحكومة على خط مشروع القانون رقم 66.23 يعكس انتقال الملف من منطق التدبير القطاعي إلى مستوى القرار الحكومي المركزي.
وهو تحول يوحي بأن المقاربة السابقة بلغت حدودها، ليتم تعويضها بمنهجية أكثر ميلاً إلى احتواء التوتر وتهيئة الظروف لمرحلة تشريعية أقل احتقاناً، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026.
غير أن التهدئة التي طبع بها “اتفاق الرباط” لا تعني بالضرورة حسم الخلافات، بقدر ما تعكس إعادة ترتيبها داخل مسار جديد.
فقد تم التوافق على إحالة المشروع على البرلمان، مع الإبقاء على عدد من النقاط الخلافية مفتوحة للنقاش داخل المسطرة التشريعية، وهو ما يجعل من المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لمدى قابلية هذا “التوافق المرحلي” للتحول إلى صيغة نهائية متوازنة.
ورغم هذا التحول في الواجهة، فإن القراءة الدقيقة لمضامين مشروع القانون المحال على البرلمان تكشف استمرار عدد من المقتضيات التي كانت محل تحفظ مهني واضح.
ففي مقدمتها المادة 35 المتعلقة بمكاتب المحاماة الأجنبية، والتي تتيح، بترخيص استثنائي من وزير العدل، إمكانية تدخل هذه المكاتب حتى في غياب اتفاقيات مع بلدانها، شريطة ارتباطها بمشاريع استثمارية أو صفقات فوق التراب الوطني، مع حصر نشاطها في نطاق المشروع المعني.
وهو مقتضى يثير نقاشاً حول حدود الانفتاح وتأثيره على توازن السوق القانونية الوطنية.
كما حافظ المشروع على المادة 72 المتعلقة بتنظيم المعاملات المالية للمحامين، حيث يفرض تسلم المبالغ مقابل وصولات محددة المعطيات، مع إلزامية اعتماد وسائل أداء قابلة للتتبع بالنسبة للأتعاب التي تتجاوز 10.000 درهم، في إطار توجه يروم تعزيز الشفافية، ويثير في الآن ذاته تساؤلات مهنية حول أثره على طبيعة العلاقة المهنية.
وفي ما يتعلق بالتكوين، أبقى المشروع على نظام تمرين يمتد لـ24 شهراً، يتضمن فترة تدريب داخل مؤسسات أو هيئات ذات صلة، وهو ما يفتح نقاشاً حول التوازن بين الانفتاح على المحيط المؤسساتي والحفاظ على خصوصية التكوين المهني.
أما على مستوى التأديب، فقد حافظ النص على إمكانية طعن الوكيل العام للملك في قرارات حفظ الشكايات، وهو مقتضى يطرح بدوره نقاشاً حول التوازن بين آليات الرقابة وضمان استقلالية التنظيم المهني.
في المقابل، سجلت الصيغة الجديدة تعديلاً محدوداً في شروط الولوج إلى المهنة، من خلال خفض السن الأدنى لاجتياز مباراة المعهد من 22 إلى 21 سنة.
في هذا السياق، يبدو أن ما جرى التوصل إليه على مستوى رئاسة الحكومة لا يتجاوز كونه “توافقاً على تدبير الخلاف” أكثر منه حلاً نهائياً له، في انتظار ما ستفرزه المرحلة التشريعية داخل البرلمان.
هل سينجح البرلمان في تحويل هذا التوافق المرحلي إلى صيغة تشريعية متوازنة، أم أن النقاش تحت قبة البرلمان سيعيد إحياء الخلافات بصيغ جديدة؟
