بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد التحول الرقمي في القطاع المالي مجرد أداة لتبسيط الخدمات وتسريع المساطر، بل أضحى يطرح، في بعض تجلياته، أسئلة مقلقة حول حدود حماية الزبناء وضمان وضوح الالتزامات المالية.
فبين سرعة الانخراط وسهولة “النقرة”، برزت ممارسات تدفع إلى التساؤل حول مدى احترام القواعد الأساسية التي تؤطر العلاقة بين الزبون والمؤسسة.
في هذا السياق، وجه مولاي المهدي الفاطمي، عضو الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية، سؤالاً شفوياً إلى وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح العلوي، حول تزايد حالات تفاجؤ مواطنين بتفعيل اقتطاعات بنكية دون توقيع عقد أو تفويض صريح.
وهي معطيات تعكس تحول هذا الموضوع من حالات معزولة إلى نقاش عمومي يجد صداه اليوم داخل المؤسسة التشريعية.
غير أن الإشكال لا يقف عند حدود التقنية أو المساطر، بل يمتد إلى طبيعته الاجتماعية.
فهذه الممارسات لا تقتصر آثارها على فئة متمرسة في التعامل مع الأدوات الرقمية، بل تمتد لتشمل موظفين وبسطاء ومتقاعدين قد لا يملكون نفس درجة الإلمام بالتقنيات الحديثة.
وفي هذا السياق، تتحول بعض المكالمات الهاتفية أو الواجهات الرقمية المبسطة إلى لحظات حاسمة، قد لا يدرك خلالها الزبون أنه انتقل من مجرد استفسار إلى التزام مالي فعلي، وهو ما يضفي على الموضوع بعداً يتجاوز التقنية إلى مسألة حماية فعلية للفئات الأكثر عرضة للالتباس.
هذا الواقع يعيد النقاش إلى أحد أهم المبادئ القانونية المؤطرة للمعاملات المالية، وهو مبدأ “الموافقة الصريحة والمستنيرة”، الذي يفترض أن يكون كل التزام مالي مبنياً على إرادة واضحة، مدركة، وقابلة للإثبات.
غير أن بعض مسارات الانخراط الرقمي، القائمة على السرعة والاختزال، قد تخلق منطقة رمادية بين التعبير عن الاهتمام بالخدمة وبين الالتزام الفعلي بها.
وفي هذا الإطار، تتجاوز الأسئلة المطروحة الطابع التقني لتلامس جوهر المنظومة المالية: كيف يمكن تفسير تفعيل اقتطاعات مالية بناءً على تفاعلات سريعة أو موافقات غير موثقة بشكل كافٍ؟ وأين تقف حدود التحقق من رضا الزبون في بيئة رقمية تتسارع فيها القرارات أكثر من وسائل التوثيق؟ ثم إلى أي حد تواكب آليات المراقبة الحالية هذا التحول بما يضمن حماية التوازن بين المؤسسة والزبون؟
كما يثير الموضوع تساؤلات حول دور الهيئات المعنية بحماية المعطيات الشخصية، خاصة عندما تتحول المعطيات إلى مدخل لعلاقة مالية طويلة الأمد.
فبين حماية المعطيات وضمان الشفافية التعاقدية، يبدو أن الحاجة ملحة إلى مزيد من الوضوح في القواعد المؤطرة لهذا المجال.
إن الرقمنة، في غياب تأطير دقيق ومتوازن، قد تفتح المجال أمام اختلالات غير مقصودة في العلاقة التعاقدية، حيث تصبح السرعة عاملاً قد يسبق أحياناً وضوح الالتزام.
لذلك، فإن تعزيز البعد القانوني والأخلاقي في الخدمات الرقمية، واعتماد وسائل توثيق دقيقة كالتوقيع الإلكتروني المؤمّن، لم يعد خياراً تقنياً، بل ضرورة لحماية الثقة في المنظومة المالية.
اليوم، لم يعد النقاش يدور فقط حول رقمنة الخدمات، بل حول كيفية تأطيرها بشكل يضمن الحقوق ولا يفرط فيها.
فبين تسهيل الولوج وتسريع الإجراءات، وبين ضرورة حماية الزبناء من أي التزام غير واضح، يظل التحدي قائماً: كيف يمكن ضمان أن تبقى “نقرة زر” مجرد وسيلة للخدمة، لا مدخلاً لالتزامات مالية لا تعكس إرادة الزبون بشكل صريح ومؤكد؟
