تحت قبة البرلمان اليوم، لم يعد المشهد يحتاج إلى الكثير من الذكاء لفك شفراته؛ فالتصعيد المفاجئ لنبرة المعارضة، مع دخول الولاية التشريعية مرحلتها الأخيرة قبل استحقاقات 2026، لا يبدو استعادةً لدور رقابي مفقود بقدر ما هو إعادة تموقع سياسي تحكمه حسابات المرحلة.
في هذا السياق، قال رشيد حموني، في تصريح لجريدة “مدار21”، إن فريقه ينتظر من الحكومة إعادة عدد من مشاريع القوانين التي تم سحبها في بداية الولاية، من بينها الإثراء غير المشروع والملك البحري والمقالع، معتبراً أنها تمثل مدخلاً أساسياً لمحاربة الريع وتعزيز الشفافية، كما أعاد التذكير بملف إصلاح صناديق التقاعد الذي ظل، وفق تعبيره، دون تصور واضح رغم الوعود المتكررة.
وأضاف المتحدث ذاته أن ارتفاع الأسعار لا يزال يشكل أحد أبرز انشغالات المواطنين، مشيراً إلى أن الإجراءات التي تم اتخاذها لم تُحدث، حسب تقديره، الأثر الملموس المنتظر، ومقترحاً في هذا الإطار مراجعة بعض الضرائب، من قبيل الضريبة على القيمة المضافة والضريبة الداخلية على الاستهلاك، بهدف التخفيف من الضغط على القدرة الشرائية.
غير أن توقيت استحضار هذه الملفات يطرح تساؤلات حول حضورها بنفس الزخم خلال مراحل سابقة من الولاية؛ فالمطالبة بقانون الإثراء غير المشروع في هذه المرحلة تبدو أقرب إلى تحرك متأخر في الزمن السياسي.
من جهته، اعتبر إدريس السنتيسي أن ضيق الزمن لا يلغي أهمية إخراج نصوص كبرى، من قبيل مدونة الأسرة والقانون الجنائي ومدونة الشغل، مؤكداً ضرورة التعامل الجدي مع هذه الأوراش التشريعية.
بدوره، أكد عبد الصمد حيكر أن المعارضة ستواصل حضورها الرقابي، من خلال إبراز الفجوة بين الالتزامات الحكومية والواقع، منتقداً إحالة بعض القوانين في المرحلة الأخيرة من الولاية، معتبراً أن ذلك لا يتيح النقاش المؤسساتي الكافي.
في المقابل، يثير استمرار اعتماد منطق الأغلبية العددية في تمرير النصوص نقاشاً متجدداً حول حدود التوازن داخل المؤسسة التشريعية، خاصة في ظل عدم إدراج عدد كبير من مقترحات القوانين التي تقدمت بها المعارضة ضمن جدول المناقشة، إذ يجري الحديث عن أكثر من 340 مقترح قانون لم ترَ طريقها للنقاش، وهو ما يعكس نوعاً من التحجيم الفعلي للمبادرة البرلمانية.
وفي موازاة هذا النقاش المؤسساتي، برز تحول لافت في طبيعة الخطاب البرلماني؛ إذ لم تعد المداخلات تقتصر على بعدها التشريعي، بل أضحت، في كثير من الأحيان، موجهة أيضاً للاستهلاك الرقمي.
في هذا المناخ، لا يبدو توصيف المشهد بـ“تيك توك” السياسي مجرد استعارة عابرة، بل يعكس تحوّلاً في طبيعة الفعل البرلماني نفسه؛ حيث تتقاطع لحظة النقاش التشريعي مع منطق الصورة والانتشار الرقمي.
لم تعد المداخلة تُقاس فقط بقدرتها على تعديل نص قانوني، بل أيضاً بمدى قابليتها للتحول إلى “مقطع” قابل للتداول، يُعيد إنتاج الخطاب السياسي خارج القبة، في فضاء تحكمه سرعة التفاعل أكثر مما تحكمه دقة النقاش.
كما أن مرور قانون المالية 2026 والمصادقة عليه في سياق اتسم بانتقادات حول محدودية النقاش والتعديلات، يعيد طرح سؤال توقيت هذا التصعيد السياسي، ولماذا لم يتحول هذا الزخم إلى معركة برلمانية بنفس الحدة خلال لحظة مناقشة قانون يُعد من أهم المحطات التشريعية المؤثرة على القدرة الشرائية.
وبينما يتواصل النقاش حول ملفات كبرى، يظل المواطن منشغلاً أساساً بواقع الأسعار، في ظل استمرار الجدل حول أثر السياسات العمومية على معيشه اليومي.
يبدو أن البرلمان يعيش إيقاعاً مزدوجاً: تفاعل متسارع في تسويق المواقف داخل الفضاء الرقمي، مقابل بطء نسبي في تنزيل إصلاحات تمس الحياة اليومية، وهو ما يعيد طرح سؤال الفعالية أكثر من مجرد الحضور السياسي.
