بقلم: الباز عبدالإله
بينما تخرج نادية فتاح، خلال حلولها ضيفة على برنامج “نبض العمق”، لتؤكد أن إصلاح التقاعد “ورش استراتيجي معقد” لا يمكن تنزيله بقرارات مفاجئة، يبدو المشهد في العمق وكأنه محاولة لتقسيط “صدمة” اجتماعية مرتقبة تحت عباءة “الشجاعة السياسية والتوافق”.
الوزيرة شددت على رفض المقاربات الأحادية، لكن هذا الخطاب الدبلوماسي لا يحجب حقيقة أكثر قسوة؛ فصناديق التقاعد لا تعيش فقط حالة “تهديد”، بل تدخل مرحلة نزيف حاد، فيما تلوح الحلول كجراحة مؤلمة لجيوب الشغيلة.
في المقابل، ترى الحكومة أن إشراك النقابات في كل تفاصيل هذا الورش يظل شرطاً ضرورياً لضمان استدامة أي إصلاح وتفادي رفضه مجتمعياً، وهو ما يفسر هذا الإصرار على توسيع دائرة التشاور.
غير أن هذا المنطق، رغم وجاهته الظاهرية، يحمل في طياته بعداً سياسياً لا يمكن إغفاله؛ إذ يبدو أن إشراك النقابات لا يندرج فقط في إطار التوافق، بل أيضاً ضمن استراتيجية لتوزيع كلفة القرار وتبعاته، حتى لا تجد السلطة التنفيذية نفسها وحدها في مواجهة تداعياته الاجتماعية.
وفي قلب هذه “اللعبة”، شددت الوزيرة، في نفس البرنامج، على ضرورة تقديم “بدائل عملية” بدل الاكتفاء بالرفض، وهو ما يعكس مستوى مرتفعاً من الضغط التفاوضي على المركزيات النقابية، التي تجد نفسها مطالبة بالانتقال من موقع الاحتجاج إلى موقع اقتراح الحلول داخل ملف شديد التعقيد.
هذا التحول لا يحرج النقابات فقط، بل يعيد رسم حدود أدوارها داخل المعادلة الاجتماعية، حيث لم يعد الرفض كافياً في ظل أرقام تفرض نفسها بقوة.
غير أن هذا التوجه يثير بدوره تساؤلات حول حدود المسؤولية العمومية في ابتكار حلول تمويلية أكثر جرأة؛ فحصر النقاش في بدائل تقنية قد يدفع نحو خيارات ضيقة تمس بشكل مباشر القدرة الشرائية للأجراء، في غياب نقاش موازٍ حول أدوات أخرى، من قبيل توسيع الوعاء الضريبي أو تحسين حكامة الموارد العمومية.
وهو ما يفتح الباب أمام قراءة مفادها أن جزءاً من كلفة الإصلاح قد يُعاد توجيهه تدريجياً نحو الفئات الأكثر انتظاماً في الأداء.
أما معطى وجود نحو خمسة ملايين مغربي خارج أي نظام للتقاعد، فيطرح تحدياً بنيوياً يتجاوز منطق الإصلاح إلى سؤال التغطية الشاملة.
ففي أفق السنوات القليلة المقبلة، لا يبدو أن إدماج هذه الفئة يمكن أن يتحقق بسهولة، في ظل استمرار هيمنة القطاع غير المهيكل وضعف الحوافز.
كما أن الحديث عن “صيغ للاستعداد لمرحلة ما بعد النشاط” يظل، في غياب إجراءات ملموسة، أقرب إلى تصور نظري منه إلى سياسة قابلة للتنزيل، خاصة في سياق يعاني فيه جزء واسع من هذه الفئة من هشاشة اقتصادية تحد من قدرتها على الادخار.
وفي خضم هذا المسار، يبرز إشكال الزمن كعنصر حاسم؛ فبينما تستمر المشاورات التقنية وتحيين المعطيات، تتآكل الاحتياطيات تدريجياً، ما يطرح سؤال “زمن التوافق” في مواجهة “زمن الاستنزاف”.
هذا التباين قد يجعل من عامل الوقت أداة ضغط إضافية تُستعمل لاحقاً لتبرير قرارات استعجالية تحت شعار تفادي الانهيار.
في المحصلة، يتضح أن إصلاح التقاعد لم يعد مجرد ملف تقني، بل تحول إلى اختبار حقيقي لتوازنات دقيقة بين الدولة والنقابات والمجتمع.
فالحكومة تسعى إلى تحقيق توازن مالي يخفف الضغط على ميزانيتها، بينما تدافع النقابات عن موقعها التمثيلي ومصداقيتها الاجتماعية.
وبين هذا وذاك، تبقى الشجاعة السياسية الحقيقية رهينة بالقدرة على بلورة نموذج إصلاحي عادل، لا يجعل من الأجير الحلقة الأضعف في معادلة تحمل كلفة اختلالات راكمتها سنوات من التدبير غير المتكافئ، بل يعيد توزيع الأعباء بشكل منصف بين مختلف الفاعلين وهو الاختبار الذي سيظهر مع أول احتكاك اجتماعي مباشر.
