لم يعد ملف مخزون المحروقات في المغرب مجرد تفصيل تقني يُدبّر خلف الأبواب المغلقة، بل تحول إلى ملف يثير جدلاً واسعاً حول دقة المعطيات الرسمية ومدى انسجامها.
ففي الوقت الذي يكتوي فيه المواطن بارتفاع الأسعار، تطرح الأرقام المتباينة أكثر من علامة استفهام حول من يملك المعطى الدقيق، وكيف تُحتسب مؤشرات المخزون في ظل ما بات يُوصف بـ”لعبة الأرقام”.
هذا النقاش فجرته النائبة البرلمانية هند الرطل بناني، عن المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية (PJD)، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، حيث أثارت مسألة التباين في المعطيات الرسمية.
وتساءلت بناني عن أسباب الانتقال من الحديث عن مخزون يغطي 28 يوماً، إلى أرقام لاحقة تشير إلى 47 و52 يوماً، معتبرة أن هذا التفاوت يعكس خلطاً بين مفاهيم القدرة التخزينية والمخزون الفعلي ووتيرة الاستهلاك، وهو ما قد يعطي صورة غير دقيقة عن الواقع.
وفي قراءة أعمق، فإن هذا التضارب في الأرقام لا يُفهم فقط كاختلاف في التقدير، بل يطرح تساؤلات حول غياب منظومة رقمية وطنية مستقلة لمراقبة المخزون بشكل آني، وهو ما يجعل المعطيات الرسمية معتمدة، بشكل أو بآخر، على تقارير الفاعلين أنفسهم داخل السوق، في وضع يثير إشكالية تداخل الأدوار وحكامة المعطيات.
وفي سياق تعميق النقاش، أثارت البرلمانية ذاتها معطيات مرتبطة ببنية السوق، من بينها ما تم تداوله حول تسجيل مستويات منخفضة من المخزون لدى إحدى الشركات خلال فترة سابقة، في ظل تساؤلات حول خلفيات هذه الاختيارات، وما إذا كانت اعتبارات مالية أو مرتبطة بتقلبات السوق قد تؤثر على قرارات التخزين.
كما تم التداول بشأن تحقيق أرباح مهمة قُدّرت بنحو 1.8 مليار درهم نتيجة الفارق بين أسعار الشراء والبيع خلال فترات الأزمات، وهي معطيات تعكس كيف يمكن لتحولات السوق الدولية أن تتحول، لدى بعض الفاعلين، من عنصر ضغط إلى فرصة لتحقيق مكاسب سريعة، في مقابل استمرار الضغط على القدرة الشرائية للمواطنين.
هذا الطرح أعاد إلى الواجهة ملف مصفاة “سامير”، التي كانت تشكل أحد أعمدة منظومة التكرير والتخزين بالمغرب.
ويطرح استمرار تعثر هذا الملف تساؤلات حول الخيارات الاستراتيجية المعتمدة، في ظل نقاش متزايد حول أهمية امتلاك أدوات وطنية قادرة على لعب دور توازني في السوق، بما يعزز قدراً من الاستقلالية الطاقية ويحد من تأثير تقلبات الأسواق الخارجية.
كما يطرح هذا الجدل مجدداً سؤال مآل مشروع المخزون الاستراتيجي الذي تم التأكيد عليه سنة 2022، في سياق توجه نحو تعزيز الأمن الطاقي.
وفي هذا الإطار، تشير معايير دولية متداولة، من بينها توصيات داخل منظمة “أوبك”، إلى أهمية توفر احتياطي يغطي عدة أشهر من الاستهلاك، وهو ما يفتح النقاش حول مدى اقتراب المغرب من هذه المستويات.
وعلى مستوى الأسعار، يتواصل الجدل حول تركيبة أسعار المحروقات، في ظل استمرار تسجيل مستويات مرتفعة مقارنة بتقلبات السوق الدولية، وهو ما يعيد طرح مسألة فعالية آليات المراقبة.
كما تبرز الحاجة إلى مراجعة بعض المكونات الضريبية، من قبيل الضريبة على الاستهلاك الداخلي (TIC) والضريبة على القيمة المضافة، خاصة في فترات الأزمات، بما يضمن تحقيق توازن بين متطلبات المالية العمومية وحماية القدرة الشرائية.
إن مداخلة النائبة البرلمانية تضع ملف المحروقات مجدداً في صلب النقاش العمومي، وتعيد طرح أسئلة مرتبطة بالأمن الطاقي، وشفافية المعطيات، وحكامة السوق.
وفي الأفق، يظل التحدي قائماً في بناء منظومة قادرة على تحقيق التوازن بين منطق السوق ومتطلبات الاستقرار الاجتماعي، في ظل رهانات داخلية وخارجية متشابكة.
