بقلم: الباز عبدالإله
كشفت مصادر إعلامية أن ملف التعمير في المغرب لم يعد مجرد شأن تقني يُدبَّر داخل مكاتب الجماعات الترابية، بل تحول إلى ورش قانوني مفتوح على عدة احتمالات.
فالتعليمات التي وجهها وزير الداخلية إلى الولاة والعمال تندرج في هذا السياق، خاصة وأنها تقضي بإحالة ملفات تتعلق برؤساء جماعات ونوابهم على القضاء بسبب اختلالات في تدبير الرخص ومخالفات البناء، وهو ما يعكس انتقالاً واضحاً من مرحلة التنبيه والتقارير إلى مرحلة التفعيل العملي للمساءلة.
هذا التطور لا يمكن فصله عن التقارير المتراكمة التي أعدتها مؤسسات الرقابة، وعلى رأسها المفتشية العامة للإدارة الترابية والمجالس الجهوية للحسابات، والتي رصدت لسنوات مجموعة من الاختلالات المرتبطة بمنح رخص في ظروف غير مطابقة للضوابط القانونية، أو معالجة ملفات خارج المساطر الرقمية المعتمدة، فضلاً عن عدم احترام تصاميم التهيئة في عدد من الحالات.
وهي ممارسات لم تعد تُقرأ فقط كاختلالات معزولة، بل كمؤشرات على حاجة ملحة لإعادة ضبط منظومة تدبير المجال.
وفي هذا السياق، يبرز تحول مهم في تحديد المسؤوليات، حيث لم تعد المساءلة تقتصر على الجوانب التقنية أو الإدارية، بل امتدت لتشمل المنتخبين بصفتهم المسؤولين القانونيين عن قرارات التعمير داخل نفوذهم الترابي، وهو ما يعكس توجهاً واضحاً نحو تكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتوضيح حدود الاختصاص بين مختلف المتدخلين في هذا القطاع.
ولا يمكن قراءة هذا الاستنفار الرقابي بعيداً عن رهانات المرحلة السياسية، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026. فالتعمير ظل لسنوات أحد أهم الموارد غير المباشرة التي تُبنى من خلالها التوازنات المحلية، حيث تتحول الرخص في بعض السياقات إلى أدوات للتأثير في الخريطة الانتخابية.
ومن هذا المنظور، يمكن فهم التحرك الحالي أيضاً كجزء من توجه يرمي إلى تضييق المجال أمام أي توظيف غير مشروع لهذا القطاع في تمويل الحملات أو بناء النفوذ الانتخابي.
كما أن اللافت في هذه الدينامية هو تجاوز منطق تحميل المسؤولية للموظفين التقنيين فقط، إذ يبدو أن المرحلة الحالية تتجه نحو تحميل المسؤولية بشكل أوضح للجهات التي تتخذ القرار النهائي.
فالمساءلة لم تعد تقف عند حدود التنفيذ الإداري، بل أصبحت تمتد إلى مستوى اتخاذ القرار، بما يعزز وضوح المسؤوليات ويحد من تداخل الأدوار الذي طبع هذا المجال لسنوات.
غير أن هذا المسار، رغم أهميته، يطرح سؤال التوقيت بإلحاح. فهذه الاختلالات ليست جديدة، بل سبق أن تم تسجيلها في تقارير رسمية منذ سنوات، دون أن تُترجم دائماً إلى نفس المستوى من الصرامة في التفعيل.
وهو ما يفتح المجال أمام قراءات ترى في هذه الخطوة، إلى جانب بعدها الإصلاحي، محاولة لإعادة ترتيب المشهد المحلي في سياق يتزامن مع الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026.
ومن زاوية أخرى، يطرح هذا الملف إشكالية أعمق تتعلق بثقافة تدبير التعمير نفسها، حيث ظل منطق “الاستثناء” حاضراً في عدد من الحالات، سواء في منح الرخص أو في تأويل المقتضيات القانونية. وهو ما يجعل من الرهان الحقيقي للإصلاح ليس فقط تفعيل المساءلة، بل إرساء قواعد واضحة تجعل من القانون المرجعية الأساسية والوحيدة في تدبير هذا القطاع، بما يضمن المساواة بين مختلف المتدخلين.
ويبقى الرهان الأساسي مرتبطاً بمدى شمولية هذا التوجه، حيث إن نجاحه يقتضي تطبيق قواعد المساءلة بشكل منسجم على جميع الحالات، وتجاوز أي انطباع بانتقائية المعالجة.
كما أن الإصلاح الحقيقي لهذا القطاع يمر أيضاً عبر معالجة الإشكالات البنيوية، من قبيل تأخر إعداد تصاميم التهيئة، وضعف تعميم الرقمنة الفعلية للمساطر، وعدم تتبع إنجاز التجهيزات الأساسية داخل التجزئات السكنية.
وفي هذا الإطار، تبرز أيضاً التحولات التي يعرفها مجال المراقبة، حيث أصبح الاعتماد على الوسائل الرقمية، بما في ذلك الصور الجوية وتقنيات الرصد عن بعد، عاملاً إضافياً في تعزيز القدرة على تتبع المخالفات بشكل أدق، وهو ما يضيق هامش التقدير الشخصي ويجعل من الصعب تبرير بعض الاختلالات.
ولا يمكن إغفال الانعكاسات المباشرة لهذه الاختلالات على الواقع العمراني والاجتماعي، حيث تساهم في بروز أحياء تفتقر للبنيات الأساسية، وتؤثر على توازن التنمية المجالية، وهو ما يجعل من إصلاح قطاع التعمير مدخلاً أساسياً لتحسين جودة العيش داخل المدن.
في المجمل، تعكس هذه الخطوة توجهاً نحو تعزيز آليات المراقبة والمساءلة في قطاع حساس، غير أن تقييمها النهائي سيظل رهيناً بمدى استمراريتها، وشموليتها، وقدرتها على إرساء قواعد واضحة ومستقرة في تدبير المجال الترابي.
إن التحدي اليوم لا يقتصر على مواجهة الخروقات، بل يرتبط بمدى قدرة مؤسسات الدولة على فرض قواعد واضحة في تدبير المجال، في مقابل ممارسات راكمت نفوذاً لسنوات.
فهل ستكون آليات المساءلة الحالية كافية لإعادة التوازن لهذا القطاع، أم أن تعقيدات الواقع ستفرز تحديات جديدة أمام مسار الإصلاح؟
