بقلم: الباز عبدالإله
كشفت المناقشة العامة لمشروع القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، داخل لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، عن انقسام يتجاوز حدود “الملاءمة القانونية”، ليصل إلى عمق النقاش حول فلسفة التنظيم الذاتي للقطاع، في سياق يطبعه تباين واضح في المقاربات بين الحكومة ومكونات المعارضة.
كشفت مصادر برلمانية أن النقاش لم يقتصر على الجوانب التقنية المرتبطة بقرار المحكمة الدستورية، بل امتد إلى طرح تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة المشروع في صيغته الحالية على تكريس مبادئ الاستقلالية والتعددية، كما هي متعارف عليها في التجارب المقارنة.
في هذا السياق، اعتبرت نادية التهامي، عضو فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، أن التعديلات المقترحة تظل محدودة من حيث الأثر، معتبرة أنها لم تمس بشكل كافٍ بعض المقتضيات التي تثير نقاشاً داخل الأوساط المهنية، خاصة في ما يتعلق بمدى تجسيد مفهوم التنظيم الذاتي.
وهو الطرح الذي تقاطع معه عبد الصمد حيكر، عن المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، حين أشار إلى أن المشروع لم يستحضر بشكل كافٍ آراء مؤسسات استشارية من قبيل المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
في المقابل، دافع محمد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل، عن الصيغة المعتمدة، خاصة مبدأ “7 مقابل 7”، باعتباره آلية لتحقيق التوازن داخل المجلس، وإنهاء الجدل المرتبط بالتمثيلية، مع التأكيد على أولوية ضمان استمرارية المؤسسة وتفادي أي فراغ مؤسساتي قد يؤثر على تدبير القطاع.
غير أن هذه الصيغة، التي تُقدَّم كحل توافقي، تُثير في المقابل نقاشاً داخل بعض الأوساط المهنية والسياسية، حيث يُنظر إليها كإعادة ترتيب للتوازنات داخل المجلس، أكثر من كونها حلاً نهائياً لإشكالية الشرعية.
ويزداد هذا النقاش مع طرح مسألة تركيبة لجنة الإشراف، ومدى انسجامها مع مبدأ الاستقلالية، في ظل حضور آليات تعيين مرتبطة بالسلطة التنفيذية.
وفي خضم هذا الجدل، دعا إدريس السنتيسي، رئيس الفريق الحركي، إلى التسريع بإخراج النص القانوني لتجاوز حالة الجمود التي عرفها القطاع، مقابل أصوات أخرى تدعو إلى تعميق النقاش حول النموذج الأنسب لتنظيم المهنة، بما يضمن التوازن بين الاستقلالية المهنية والحكامة المؤسساتية.
وبين منطق الاستعجال ومنطق التمحيص، يظل السؤال المركزي مطروحاً: هل يشكل هذا المشروع خطوة نحو ترسيخ تنظيم ذاتي فعلي، أم أنه يعكس سعياً لإعادة ضبط العلاقة بين الفاعل المهني والإطار المؤسساتي المنظم له؟
وفي انتظار الحسم التشريعي، يبقى الرهان الحقيقي ليس في معادلات التمثيلية بقدر ما هو في مدى قدرة النص على ترسيخ استقلالية فعلية تعكس روح التنظيم الذاتي، لا مجرد توازنات تُقرأ بطرق مختلفة حسب مواقع الفاعلين داخل المشهد.
