بقلم: الباز عبدالإله
قدم رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، حصيلة ولايته بأسلوب أقرب إلى عرض تقريري محكوم بلغة الأرقام والمؤشرات؛ أرقام كبيرة، وقوانين متعددة، وحديث متكرر عن “الصمود” و”الشجاعة”.
فمن السهل عرض حصيلة تشريعية تتجاوز الثمانمئة نص، لكن التحدي الحقيقي يظل في إقناع مواطن يواجه ارتفاع أسعار الخضر واللحوم والمحروقات بأن هذه الدينامية القانونية انعكست فعلاً على حياته اليومية.
بذلك، لم يكن الخطاب مجرد عرض للإنجازات، بقدر ما كان محاولة لتقديم واقع اجتماعي معقد بلغة الأرقام والنسب، مع ما يثيره ذلك من تساؤلات حول مدى ترجمة هذا الزخم التشريعي إلى أثر ملموس على مستوى العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق.
إن الحديث عن “الصمود” في مواجهة الأزمات أصبح حاضراً بقوة في الخطاب الحكومي، إلى درجة أنه بات يُقدَّم كعنوان مرحلي لتدبير مرحلة دقيقة، غير أن هذا الطرح يفتح نقاشاً مشروعاً حول حدود هذا المفهوم، خاصة عندما تتحول التحديات الدولية والجفاف إلى عناصر تفسير دائمة لوضعية داخلية مركبة.
فالشجاعة السياسية، كما تُفهم في النقاش العمومي، لا تقتصر على تدبير التوازنات الماكرو-اقتصادية، بل تمتد إلى القدرة على معالجة اختلالات السوق وتعزيز شروط المنافسة والإنصاف.
وعندما يؤكد رئيس الحكومة أن حكومته “أنصتت بمسؤولية”، يظل السؤال مطروحاً حول طبيعة هذا الإنصات وحدوده، ومدى انعكاسه على أوضاع الطبقة المتوسطة والفئات الهشة التي تأثرت بوطأة التضخم.
وفي هذا السياق، تبرز مفارقة لافتة بين دينامية بعض المؤشرات الاقتصادية وقدرة فئات واسعة على مجاراة كلفة العيش اليومية.
فبينما تعكس بعض القطاعات قدراً من الاستقرار، بل وحتى تحقيق نتائج إيجابية، يظل الإحساس العام لدى جزء من المواطنين مرتبطاً بضغط متزايد على مستوى المصاريف الأساسية.
هذه الوضعية لا تطرح فقط سؤال نجاعة السياسات العمومية، بل تمتد لتلامس إشكالية أعمق تتعلق بكيفية توزيع آثار النمو، ومن المستفيد الفعلي من دينامية الإصلاح، في مقابل فئات لا تزال تنتظر أن ينعكس هذا التحسن على تفاصيل حياتها اليومية.
غير أن الإشكال لا يرتبط فقط بطبيعة الاختيارات، بل أيضاً بإيقاع تنزيلها؛ فالمراهنة على “الزمن التشريعي” الطويل في مقابل “الزمن المعيشي” المتسارع، تطرح إشكالية كلفة الوقت السياسي. فالقوانين التي تُصاغ اليوم في مسارات مؤسساتية معقدة قد تصل متأخرة عن نبض الشارع، وقد لا تجد غداً نفس القدرة المجتمعية على استيعاب آثارها، إذا ما استمر الضغط على القدرة الشرائية بهذا النسق المتصاعد.
وفي مقابل هذا الزخم الرقمي، تظل مسألة “أنسنة الأرقام” غائبة عن الخطاب الرسمي؛ فخلف كل نسبة مئوية تُعرض، هناك واقع يومي لا يُختزل في مؤشرات.
هناك تلميذ في العالم القروي، ومريض ينتظر دوره في مرفق عمومي، وأب يوازن يومياً بين ضروريات العيش. هذه التفاصيل، التي لا تظهر في الجداول، هي التي تحدد فعلياً مدى نجاح السياسات العمومية، وتكشف حدود المقاربة التقنية حين تنفصل عن بعدها الاجتماعي.
في المقابل، نفى أخنوش عن حكومته أي نزعة “استعلائية”، غير أن نمط التواصل الحكومي ظل، في نظر عدد من المتتبعين، محكوماً بلغة المؤشرات أكثر من لغة الواقع المعيشي، وهو ما يعكس فجوة قائمة بين منطق التدبير بالأرقام ومنطق العيش اليومي للمواطنين.
هذه المفارقة تطرح إشكالاً حقيقياً حول فعالية السياسات العمومية، خاصة في قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم، حيث يظل أثر الإصلاحات محل نقاش مستمر. كما أن استحضار نتائج انتخابات 8 شتنبر كمرجعية للشرعية الديمقراطية يظل، في ذاته، نقطة قوة، لكنه لا يعفي من ضرورة تجديد هذه الشرعية عبر الأثر الملموس للسياسات العمومية في الحياة اليومية.
وفي عمق هذا النقاش، يظل سؤال التوازن بين منطق السوق ومتطلبات الخدمة العمومية مطروحاً بإلحاح؛ فالشجاعة السياسية لا تُقاس فقط بقدرة الحكومة على إطلاق الإصلاحات، بل أيضاً بمدى قدرتها على ضمان تكافؤ الفرص وحماية الفئات الأكثر هشاشة.
وهو ما يضع السياسات العمومية أمام اختبار دقيق، عنوانه: كيف يمكن تحقيق النمو دون أن تتسع فجوة الاستفادة من ثماره بين مختلف مكونات المجتمع؟
يقدم خطاب الحصيلة صورة متماسكة على مستوى البناء والتصور، لكنه يظل مفتوحاً على سؤال جوهري: إلى أي حد استطاعت هذه الدينامية التشريعية أن تتحول إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن؟ فالإنجاز لا يُقاس فقط بعدد القوانين المصادق عليها، بل بمدى قدرتها على تحسين القدرة الشرائية، وتعزيز الولوج إلى الخدمات الأساسية، وصون كرامة المواطن داخل المرافق العمومية.
وبين مغرب الأرقام الذي يعكسه الخطاب الرسمي، ومغرب المعاناة الذي يعيشه جزء من المواطنين، تستمر فجوة تحتاج إلى أكثر من سرد الأرقام لسدّها.
