بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد خافياً أن مداخلة وزير العدل، اليوم الأربعاء، أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب، قد فتحت نقاشاً يتجاوز مجرد تحيين النصوص القانونية المرتبطة بمهنة المحاماة، ليطرح في العمق سؤالاً أكبر حول طبيعة التحولات التي قد يعرفها هذا القطاع في المرحلة المقبلة.
فالمشروع، كما قدمه الوزير، يأتي في سياق حديث متكرر عن “المصلحة العامة” والحكامة والشفافية، وهي عناوين تعكس توجهاً نحو إعادة تنظيم بعض جوانب الممارسة المهنية، في سياق يتسم بتصاعد النقاش داخل الأوساط المهنية خلال الأشهر الأخيرة حول طبيعة الإصلاح المنتظر وحدوده.
غير أن هذا الطرح، رغم طابعه الإصلاحي المعلن، يُقرأ من طرف عدد من المتتبعين داخل الجسم المهني باعتباره مؤشراً على توجه نحو إعادة ضبط توازنات المهنة، خاصة في ظل تأكيد الوزير على ضرورة الفصل بين ما يريده المحامي كفرد، وما تحتاجه المحاماة كمؤسسة.
وهو ما يفتح نقاشاً حول حدود هذا الفصل، وما إذا كان سيؤدي إلى تعزيز البناء المؤسساتي للمهنة، أم إلى تقليص هامش المبادرة الفردية داخلها.
وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة هذا المشروع بمعزل عن الحمولة التاريخية لـ“البدلة السوداء” في المغرب، والتي لم تكن يوماً مجرد مهنة، بل شكلت عبر عقود جبهة حقوقية وصمام أمان في مواجهة العديد من التجاوزات.
لذلك، فإن أي توجه نحو “تأطيرها” اليوم يثير حساسية خاصة داخل الجسم المهني، لأنه يُفهم لدى البعض كمساس بتراكم نضالي ارتبط بالدفاع عن الحقوق والحريات منذ فجر الاستقلال.
وفي ما يخص تدبير أموال المتقاضين، شدد الوزير خلال مداخلته على ضرورة إحاطتها بضمانات قانونية واضحة، مؤكداً أن “فلوس الناس خاصها تبقى محمية بالقانون”، وهو موقف يعكس حرصاً على حماية حقوق المواطنين.
غير أن هذا التوجه يطرح، في المقابل، تساؤلات مهنية حول كيفية تحقيق التوازن بين تعزيز آليات المراقبة واحترام السر المهني، خاصة في ظل ما يُعتبر دولياً من ثوابت مرتبطة باستقلال مهنة المحاماة وحصانة الدفاع.
وفي هذا الإطار، تبرز مقارنات مع المعايير الدولية المؤطرة للمهنة، حيث تُشدد مبادئ استقلال المحاماة على ضرورة حماية العلاقة بين المحامي وموكله من أي تدخل مباشر، باعتبارها جزءاً من ضمانات المحاكمة العادلة.
وهو ما يجعل بعض الأصوات المهنية تتخوف من أن يؤدي توسيع نطاق الرقابة، مهما كانت مبرراتها، إلى إضعاف هذا التوازن الدقيق.
كما أشار الوزير، خلال عرضه، إلى بروز فاعلين جدد في مجال الاستشارة القانونية خارج الإطار التقليدي للمحاماة، محذراً من ممارسات قد تخل بتوازن المهنة، ومؤكداً على ضرورة تنظيم هذا المجال بما يضمن تكافؤ الفرص واحترام الضوابط القانونية.
كما أثار موضوع ما يُعرف بـ“محامي الصفقات”، معتبراً أن بعض الممارسات المرتبطة به تطرح إشكالات على مستوى الشفافية، وهو ما يعكس توجهاً نحو فتح نقاش أوسع حول العلاقة بين الممارسة المهنية والرهانات الاقتصادية المرتبطة بها.
وفي السياق ذاته، لم يُخف الوزير تحفظه على بعض المطالب المهنية المرتبطة بمجالات ذات امتداد ديني، مؤكداً ضرورة احترام اختصاص المؤسسات المعنية، وهو ما يعكس حساسية التداخل بين القانوني والديني في بعض جوانب الممارسة المهنية.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه هذا المشروع لا يكمن فقط في جودة نصوصه، بل أيضاً في مستوى الثقة بين الوزارة والمهنيين.
فحين يتم الحديث عن اختلالات داخل المهنة، فإن ذلك يفتح الباب أمام نقاش مشروع حول الإصلاح، لكنه في المقابل يفرض ضرورة تقديم ضمانات واضحة تطمئن الجسم المهني إلى أن الهدف هو التقويم لا إعادة توجيه القرار المهني.
وفي هذا السياق، تشير مواقف بعض الهيئات المهنية إلى نوع من التوجس من بعض مضامين المشروع، وهو ما يعكس وجود تباين في تقدير أولويات الإصلاح بين مختلف المتدخلين، ويفتح المجال أمام نقاش مؤسساتي أوسع داخل البرلمان.
كما دعا الوزير إلى تمكين المحامين المغاربة بالخارج من الولوج إلى المهنة داخل المغرب دون قيود تعجيزية، معتبراً أن الانفتاح على هذه الكفاءات يمكن أن يشكل قيمة مضافة، وهو ما يطرح بدوره تساؤلات حول سبل تحقيق التوازن بين استقطاب الخبرات والحفاظ على توازن السوق المهنية.
لا يتعلق الأمر بتعديل تقني معزول، بل بلحظة مفصلية في مسار المهنة.
فإما أن يُفضي هذا النقاش إلى قانون يُعصرن المحاماة ويعزز ثقة المتقاضي دون المساس بجوهر استقلالها، أو أنه سيفتح مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة أدوارها داخل منظومة العدالة، في سياق يظل فيه التحدي الأكبر هو الحفاظ على توازن دقيق بين التنظيم والحرية.
