بقلم: الباز عبدالإله
قدّم عزيز أخنوش حصيلة حكومته أمام البرلمان بلغة تُراهن على قوة الأرقام وتوسّع الاستثمارات، معلناً الانتقال من المعالجات الظرفية إلى إصلاحات ذات طابع هيكلي في قطاعي الصحة والتعليم.
خطابٌ يستند إلى معطيات مالية مهمة وتقدم في الأوراش، لكنه يطرح في المقابل سؤالاً أساسياً: إلى أي حد تنعكس هذه الدينامية على الواقع اليومي للمواطن؟ وكيف يمكن ترجمة هذه الاعتمادات إلى أثر ملموس داخل المرفق العمومي؟
تُسجل الحكومة ارتفاعاً ملحوظاً في ميزانية الصحة وتقدماً في تأهيل البنيات وتوسيع العرض الصحي، وهي خطوات أساسية لأي إصلاح مستدام.
غير أن هذا المسار يثير نقاشاً موازياً حول التوازن بين الاستثمار في البنيات وتعزيز الموارد البشرية، باعتبار أن جودة الخدمات تظل مرتبطة بمدى توفر الأطر الطبية واستقرارها داخل المنظومة.
وهو ما يطرح بدوره تساؤلات حول قدرة السياسات العمومية على تحفيز الكفاءات وضمان استمراريتها، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالهجرة المهنية نحو القطاع الخاص أو الخارج.
ويمتد هذا النقاش إلى قطاع التعليم، حيث تبرز مبادرات مثل توسيع التعليم الأولي واعتماد نموذج “مدارس الريادة”، إلى جانب معالجة عدد من الملفات المهنية التي ظلت عالقة.
وهي إجراءات تعكس إرادة لإعادة بناء المدرسة العمومية، غير أن تقييمها يظل مرتبطاً بمدى قدرتها على تحقيق أثر متوازن داخل المنظومة ككل، تفادياً لظهور نماذج متقدمة في بعض المؤسسات مقابل استمرار صعوبات في مؤسسات أخرى، بما قد يعيد طرح إشكالية الفوارق المجالية من زاوية جديدة.
أما على مستوى التعليم العالي والتكوين، فقد تم تسجيل توسع في العرض البيداغوجي وتعزيز مسارات التكوين، في محاولة لملاءمتها مع متطلبات سوق الشغل.
غير أن هذا المسار يطرح بدوره إشكالية الالتقائية بين مخرجات التكوين وحاجيات الاقتصاد، بما يضمن إدماجاً فعلياً للشباب ويعزز فرص التشغيل.
في هذا السياق، يبدو أن الانتقال نحو إصلاحات هيكلية يطرح رهانات تتجاوز البعد التقني، لتشمل أيضاً إشكالية الزمن؛ إذ تتقاطع انتظارات السياسات العمومية مع متطلبات قطاعات تحتاج بطبيعتها إلى نفس طويل لقياس أثرها، سواء في جودة الخدمات الصحية أو في مخرجات المنظومة التربوية.
فالثقة في المرفق العمومي لا تُبنى فقط بتوسيع الاستثمارات، بل تتشكل أساساً من خلال تفاصيل التجربة اليومية للمواطن، من لحظة الولوج إلى الخدمة إلى جودة الاستفادة منها.
يعكس هذا التوجه طموحاً واضحاً لضبط التوازنات الكبرى، غير أن نجاحه يظل مرتبطاً بمدى قدرته على ترجمة المؤشرات إلى أثر ملموس، يقنع المواطن بأن الاستثمار العمومي لا يظل محصوراً في الأرقام، بل يمتد ليشمل تحسين شروط الولوج إلى الخدمات وتعزيز الإحساس بجودتها.
