بقلم: الباز عبدالإله
في خطوة رقابية تعكس تنامي القلق البرلماني من وتيرة التحول الرقمي بالمغرب، وجهت النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، فاطمة التامني، سؤالاً كتابياً إلى وزير الداخلية حول ما وصفته بـ”التعثرات البنيوية” التي تشوب المنصات الرقمية المرتبطة بالمشاركة المواطِنة والمسار الانتخابي.
وأكدت التامني، في مراسلتها المؤرخة في 15 أبريل 2026، أن المعطيات الميدانية والشكايات الواردة تعكس وجود اختلالات تقنية تمس جوهر الحقوق الدستورية، مما يطرح تساؤلات جدية حول نجاعة تدبير هذه الأوراش الوطنية ومدى قدرتها على ضمان خدمات عمومية مستقرة وفعالة.
وقد رصدت النائبة البرلمانية جملة من الأعطاب التقنية، في مقدمتها عدم استقرار خدمة الرسائل النصية القصيرة (SMS) عبر الرقم 2727، المخصصة للاستعلام عن التسجيل في اللوائح الانتخابية، معتبرة أن تعطل هذه الخدمة، رغم بساطتها، يعكس خللاً واضحاً في استمرارية مرفق حيوي مرتبط مباشرة بالعملية الديمقراطية.
كما توقفت عند الإشكالات التقنية التي تعيق مسطرة التسجيل الإلكتروني في اللوائح الانتخابية، وهو ما من شأنه أن يحد عملياً من فعالية شعارات توسيع المشاركة السياسية، خاصة في أوساط الشباب.
ولم تقتصر الملاحظات المثارة على الجانب الانتخابي، بل امتدت لتشمل البوابة الوطنية للمشاركة المواطِنة (eparticipation ma)، حيث سجلت المراسلة وجود اختلالات وظيفية وتقنية تعرقل مسطرة التوقيع النهائي على العرائض والملتمسات، وهو ما قد يجعل ممارسة هذا الحق الدستوري تواجه صعوبات على مستوى التطبيق العملي.
وشددت التامني على أن التحول الرقمي، باعتباره رافعة لتحديث الإدارة وتعزيز الديمقراطية التشاركية، لا يمكن أن يظل مجرد واجهة شكلية، بل يفترض أن يترجم إلى خدمات مستقرة وموثوقة تضمن الولوج الفعلي إلى الحقوق.
وتفتح هذه التعثرات الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مصير الميزانيات المرصودة سنوياً لورش الانتقال الرقمي، ومدى صرامة دفاتر التحملات التي تؤطر تعاقدات الإدارة مع الشركات المكلفة بتطوير وصيانة هذه المنصات.
فحين تعجز خدمات رقمية أساسية عن ضمان أبسط الوظائف، يصبح من الطبيعي مساءلة نجاعة الإنفاق العمومي المرتبط بها، ومدى توافقه مع جودة الخدمة المقدمة للمواطن.
وفي بعد لا يقل أهمية، يبرز الأثر غير المباشر لهذه الأعطاب على علاقة المواطن بالمؤسسات؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بإشكال تقني، بل بانعكاساته على الثقة العامة، خاصة في صفوف الشباب.
فتعثر الولوج إلى خدمات مرتبطة بالمشاركة السياسية قد يُنتج شعوراً بالإحباط أو ما يمكن وصفه بـ”الصد التقني”، وهو ما يطرح تحدياً إضافياً أمام جهود توسيع الانخراط المواطِن في الحياة العامة.
ويأتي هذا النقاش في سياق زمني حساس، حيث تتعاظم الحاجة إلى ضمان جاهزية البنية الرقمية المؤطرة للمسار الانتخابي، بما ينسجم مع متطلبات الشفافية وتكافؤ الفرص.
فتعزيز موثوقية هذه المنصات لا يندرج فقط ضمن تحسين الخدمات الإدارية، بل يشكل شرطاً أساسياً لتأمين ممارسة الحقوق السياسية في ظروف سليمة.
وفي قراءة أعمق لهذا المشهد، يطرح استمرار هذه الاختلالات تحدياً حقيقياً أمام تحقيق الأهداف المعلنة لورش التحول الرقمي، خاصة حين يتعلق الأمر بخدمات ذات صلة مباشرة بالمشاركة المواطِنة.
فحين تتحول الآليات الرقمية من وسائل للتيسير إلى عوائق تقنية، يصبح من المشروع التساؤل حول أثر ذلك على دينامية الانخراط المواطن، ومدى قدرة هذه المنظومة على مواكبة الطموح الدستوري في توسيع قاعدة المشاركة، دون أن تُفرز، بشكل غير مقصود، أشكالاً من الإقصاء الرقمي.
وفي انتظار التوضيحات التي ستقدمها وزارة الداخلية، يظل هذا الملف مفتوحاً على نقاش أعمق حول شروط نجاح التحول الرقمي في المغرب، وحدود قدرته على تحقيق التوازن بين النجاعة التقنية وضمان الحقوق، في أفق بناء إدارة رقمية تستجيب فعلياً لتطلعات المواطن وتنسجم مع روح الدستور.
