بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد عبد اللطيف وهبي يكتفي بالمواجهة المباشرة مع منتقدي مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، بل اختار هذه المرة مدخلاً مختلفاً من خلال استهلال الورقة التقديمية بآيات من سورة الحجر.
هذا الاختيار لم يُقرأ فقط كصيغة بلاغية أو تقليد بروتوكولي، بل فتح نقاشاً أوسع حول حدود توظيف الخطاب الرمزي في سياق تشريعي يفترض فيه التركيز على المقتضيات القانونية وآثارها العملية.
وفي هذا السياق، يرى عدد من المتابعين أن لجوء وزير يُوصف عادةً بخطاب حداثي مباشر إلى استحضار المرجعية الدينية في تقديم نص تقني لا يمكن فصله عن طبيعة النقاش القائم، إذ يُفهم أحياناً كنوع من توسيع إطار الجدل من المستوى القانوني الصرف إلى مستوى رمزي أوسع، بما قد يضع المنتقدين أمام نقاش يتجاوز بنود المشروع إلى تأويلات مرتبطة بخلفية الخطاب نفسه.
وفي خضم هذا النقاش، عبّر المحامي رشيد أيت بلعربي، في تدوينة نشرها على صفحته بموقع فيسبوك، عن موقف نقدي من هذه المقاربة، معتبراً أن الورقة التقديمية لا تعكس بشكل دقيق مضمون المشروع، وأن إدراج الآيات قد يوجّه النقاش نحو دلالات رمزية بدل التركيز على الإشكالات القانونية المرتبطة باستقلالية المهنة وضمانات المحاكمة العادلة.
وعلى مستوى المقتضيات، يتوقف عدد من المهنيين عند مسألة الانتقال من الإشعار القبلي لنقيب الهيئة في حالات متابعة المحامي إلى الإشعار البعدي، دون تحديد آجال واضحة أو ترتيب جزاءات في حالة الإخلال.
هذا التحول يُقرأ من طرف فاعلين مهنيين كإعادة ترتيب لدور النقيب، من فاعل يتدخل بشكل استباقي لحماية الضمانات المهنية، إلى دور أقرب للإخبار اللاحق، وهو ما يطرح نقاشاً حول تأثير ذلك على طبيعة الحصانة المهنية وحدودها العملية.
كما أثيرت تساؤلات حول بعض القيود المرتبطة بأشكال الاحتجاج داخل فضاءات المحاكم، حيث يعتبرها البعض جزءاً من تنظيم المرفق القضائي، بينما يرى فيها آخرون تقليصاً لهامش التعبير داخل فضاء يرتبط تاريخياً بالدفاع عن الحقوق.
وفي ما يتعلق بالمسطرة التأديبية، يبرز نقاش موازٍ حول تقديم إمكانية الطعن في المقررات التأديبية كعنصر إصلاحي، إذ يرى متابعون أن هذه الآلية كانت حاضرة في الممارسة القانونية منذ سنوات، ما يطرح تساؤلات حول حدود التجديد في المشروع، وما إذا كان الأمر يتعلق بإضافة نوعية أم بإعادة صياغة لمقتضيات قائمة في إطار رؤية تحديثية أوسع.
وفي هذا الإطار، اعتبر رشيد أيت بلعربي في تدوينته أن هذا التباين بين الخطاب التقديمي ومضامين المشروع يعكس، بحسب تعبيره، صعوبة في إقناع الجسم المهني بجدوى بعض التعديلات، خاصة في ظل استمرار التخوفات المرتبطة باستقلالية المهنة.
في المقابل، تراهن الوزارة على أن هذه المقتضيات تندرج ضمن ورش شامل لتحديث المهنة وتعزيز نجاعتها، بما ينسجم مع التحولات التي تعرفها منظومة العدالة، وهو ما يجعل النقاش الحالي يعكس اختلافاً في المقاربات بين رؤية إصلاحية رسمية وقراءة مهنية حذرة لمآلات النص.
وبين هذا وذاك، يبقى الرهان الحقيقي في قدرة النص النهائي على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات تحديث منظومة العدالة والحفاظ على الضمانات الأساسية المرتبطة باستقلالية مهنة المحاماة ودورها في تكريس شروط المحاكمة العادلة.
