بقلم: الباز عبدالإله
شهدت جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، المنعقدة يوم الاثنين، لحظة نقاش لافتة تجاوزت طابعها القانوني الصرف، بعدما أعاد وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، طرح موضوع “شيك الضمان” في سياق تعقيبه على سؤال للفريق النيابي للأصالة والمعاصرة، في إشارة بدت أقرب إلى كسر صمت طويل حول بعض الممارسات المرتبطة بتدبير المال في الحياة السياسية.
وخلال مداخلته، أوضح الوزير أن التعديلات القانونية الأخيرة أنهت حالة من الالتباس في التعاطي مع الشيك، حيث لم يعد يُنظر إليه كوثيقة ضمان غير ملزمة، بل أصبح أداة أداء قائمة بذاتها، تترتب عنها التزامات قانونية فورية بمجرد التوقيع، بغض النظر عن الغاية التي سُلّم من أجلها.
وهو تحول يضع حداً لاجتهادات سابقة كانت تميز بين “الضمان” و”الأداء”، ويعيد تعريف الشيك باعتباره التزاماً مالياً صريحاً.
وفي هذا الإطار، أبرز وزير العدل أن المسطرة الجديدة لتسوية الشيكات بدون رصيد تقوم على تمكين المعنيين من أداء مبلغ الشيك مرفقاً بغرامة محددة في 2% مقابل إسقاط الدعوى العمومية، مع إتاحة إمكانية إيداع المبالغ مباشرة لدى صندوق المحكمة، وهو ما يفتح الباب أمام تسويات سريعة وفعالة.
الأرقام التي قدمها الوزير تعكس حجم هذا التحول، حيث مكنت هذه الإجراءات، منذ مطلع سنة 2026، من تسوية وضعية أكثر من 16,900 شيك بقيمة إجمالية تجاوزت 630 مليون درهم، إضافة إلى معالجة حوالي 1,640 ملفاً، وضخ ما يقارب 2.3 مليون درهم في خزينة الدولة، فضلاً عن تمكين عدد من المعنيين من استعادة حريتهم بعد تسوية وضعياتهم.
غير أن لحظة التحول الأبرز داخل الجلسة جاءت حين وجّه الوزير تنبيهاً مباشراً للنواب بخصوص تجنب استعمال الشيكات على سبيل الضمان، خاصة في بعض السياقات الحساسة.
تصريحٌ، وإن قُدّم في سياق عابر، إلا أنه فتح باب تأويلات داخل القاعة، حيث سارع رئيس الفريق الاستقلالي، علال العمراوي، إلى المطالبة بحذف هذا الجزء من محضر الجلسة، في موقف يعكس حساسية النقاش عندما يلامس حدود الممارسة الانتخابية.
في المقابل، لم يكتفِ وزير العدل بالتوضيح، بل أشار إلى توفره على معطيات رقمية مرتبطة بالجرائم الانتخابية، مؤكداً أن حديثه يستند إلى أرقام قائمة، وهو ما منح النقاش بعداً إضافياً، وجعل من الإحالة على هذه المعطيات إشارة إلى احتمال الانتقال من مستوى التلميح إلى مستوى المساءلة.
في هذا السياق، يبرز تحول لافت في موقع وزارة العدل، التي لم تعد تشتغل فقط كفاعل تقني في ضبط النصوص، بل كطرف يسعى إلى إعادة ترتيب قواعد التعامل مع بعض الممارسات المرتبطة بتمويل العمليات الانتخابية.
فإذا كان الشيك قد أصبح أداة أداء ملزمة قانوناً، فإن ذلك يحد عملياً من إمكانية استعماله كوسيلة لتدبير التزامات غير واضحة، خاصة في الفترات التي ترتفع فيها رهانات التنافس السياسي.
كما أن التفاعل الذي أثارته تصريحات الوزير داخل المؤسسة التشريعية يعكس مستوى من الحذر تجاه كل ما يرتبط بملف الشفافية، حيث بدت بعض المواقف حريصة على حماية صورة المؤسسة، لكنها في الآن ذاته تكشف حساسية متزايدة تجاه النقاش المرتبط بالعلاقة بين المال والممارسة السياسية.
ومن زاوية أوسع، يكشف هذا الإصلاح عن انتقال تدريجي من منطق التسامح مع بعض الممارسات غير المؤطرة إلى منطق تقنين أكثر صرامة، يهدف إلى إعادة ضبط الثقة في المعاملات المالية، مع الحفاظ على توازن بين حماية حقوق الدائن وتخفيف العبء عن المدين عبر آليات التسوية.
ويأتي هذا النقاش في سياق سياسي يتسم باقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، ما يمنح لهذه التحولات بعداً خاصاً، ويجعل من كل إشارة مرتبطة بتمويل الممارسة السياسية موضوعاً قابلاً لإعادة القراءة.
ويبدو أن “شيك الضمان”، الذي كان لسنوات آلية غير معلنة لضبط بعض التفاهمات، يتحول اليوم إلى أداة قانونية ذات تبعات مباشرة قد تؤثر على عدد من المسارات المرتبطة بالسياق الانتخابي المقبل.
وبين تمسك وزير العدل بلغة الأرقام والمعطيات، والتفاعل الحذر داخل المؤسسة التشريعية، يظل السؤال قائماً: هل نحن أمام بداية مرحلة تكشف بعض “المسكوت عنه” داخل الممارسة السياسية، أم أن هذه الإشارات ستظل في حدود النقاش الظرفي دون أن تتحول إلى مسارات مؤسساتية واضحة قبل موعد 2026؟
